محمد بن نصر: دعـوة لتعميق التفكير... أركيولوجيا الوطن والوطنية! (2ــ3) 28/8/2015 22:20 محمد بن نصر: دعـوة لتعميق التفكير... أركيولوجيا الوطن والوطنية! (2ــ3)
محمد بن نصر بحث

آخر ما قرأت عن "الوطن" و"الوطنية" كان بكتاب، اشتريته مؤخراً، وعنوانه "ذكرياتي عن الثورة"، لسليمان حافظ. وقد كان سليمان حافظ هذا ثاني اثنين من القانونيين - مع د/عبد الرازق السنهوري- الذين أمدوا "الضباط الأحرار" بفكرة "الثورة" كي تكون وصفاً لما قاموا به في 23 يوليو1952، وكان اسمه في البداية "حركة الجيش المباركة". ومن بعد ساعد هذا الثنائي "الضباط الأحرار" على الانتقال بمصر من النظام الملكي إلى الجمهوري، بعد التخلص من الملك.

وبالكتاب تعريف بسليمان حافظ يقول فيه صاحبه: "أبدى سليمان حافظ استعداده لبذل دمه في صفوف الجهاد في سبيل الوطن..". كما كان سليمان حافظ حسب وصفه: "شجاعاً مقداماً جريئاً في الحق لا يهاب الموت في سبيل الوطن..".

الأستاذ سليمان حافظ إذن لا يهاب الموت، ومستعد لبذل دمه، في "سبيل الوطن"؛ ليس في سبيل الله، وإنما في "سبيل الوطن"!

هذا الخراب الأيديولوجي الذي يجعل لله أنداداً يتطلب حفراً/بحثاً في عالم المعرفة، وعلى مستويين: الأول يبدأ تحت الدولة الوطنية وينتهي عند الثورة الفرنسية، والثاني يبدأ تحت الثورة الفرنسية وينتهي عند الإغريق والفراعنة. وسأبدأ بالحفر تحت الثورة الفرنسية أولاً، ثم أعود بعد ذلك إلى الحفر تحت "الوطن" و"الدولة الوطنية" لأربط بينهما وبين الثورة الفرنسية وما نتج عنها.

أولاً/ الحفر تحت الثورة الفرنسية:

يقال أن ما حققته البشرية من تقدم في القرن العشرين يتجاوز ما حققته خلال الخمس ألاف سنة الماضية (= من أيام الفراعنة إلى يومنا هذا). ومن ذلك، على مستوى الأدوات، الطائرة التي تخترق حاجز الصوت. وبالرغم مما سلف، وفيما يخصني هنا، سأستخدم أداة قديمة، لكنها تخترق حاجز الزمن، وليس حاجز الصوت. اختراق حاجز الزمن هو ما يجعل الماضي يلتقي بالمستقبل، وهذا الانجاز لا يحققه غير هذه الأداة: (القرآن)؛ وأول ما سأستخدم فيه هذه الأداة هو تقرير نسبية الزمن.

اليوم عندنا أربعة وعشرين ساعة، لكن هناك عند الله من الأيام ما "مقداره ألف سنة مما تعدون"، وبهذا الحساب تكون المسافة بيننا وبين الفراعنة خمسة أيام! أما إذا حسبنا ذات الفترة باليوم الذي مقداره "خمسين ألف سنة"، فأن المسافة بين عصرنا وعصر الفراعنة ستكون بضعة دقائق.

هذا التقرير النظري يتحول إلى أداة حفر في طبقات الزمن إذا اتفقنا في مسألتين؛ ألأولى هي أن القطب الذي تدور عليه رحى الزمن هومسألة "الألوهية"؛ والثانية هي أن "التاريخ يعيد نفسه"!

وسواء أتفق معي القارئ أولا فهذا هوالنهج الذي سأسير عليه في هذه الورقة، ومن الآن فصاعداً.

إذا حفرنا تحت الثورة الفرنسية فأول طبقة من طبقات الزمن التي ستصادفنا هي الطبقة الفرعونية، وتحت الطبقة الفرعونية هناك الطبقة المسيحية، وتحت الطبقة المسيحية هناك الطبقة الرومانية، وتحت الطبقة الرومانية هناك الطبقة الإغريقية. زمانياً يفترض أن الطبقة الفرعونية تحت الطبقة الإغريقية لكني أضعها تحت الثورة الفرنسية لأن الحال، موضوعياً، لا تختلف أوضعنا الطبقة الفرعونية تحت الطبقة الإغريقية أوتحت الثورة الفرنسية، لأن عبارات من نوع "أنا ربكم الأعلى" و"أنا صاحب السيادة" أو"أنا الدولة" لها نفس ألأثر القانوني وإن اختلفت المفردات!

المَلكية المطلقة أوالحكم المطلق، في فرنسا، جعل ملك فرنسا في المركز القانوني الذي كان فيه ملك/فرعون مصر، في مصر الفرعونية. ولذا كان طغيان فرعون مصر (رمسيس الأول أورمسيس الثاني) لا يختلف عن طغيان ملك فرنسا (لويس الرابع عشر أولويس السادس عشر)؛ كل ما في الأمر هوأن التاريخ يعيد نفسه، في صور جديدة في الظاهر، أما في الجوهر فكل ما هنالك هوطاغوت يقول: "أنا ربكم الأعلى"!

وبذا أرجو أن يكون القارئ قد أدرك الأساس الذي بنيت عليه قناعتي بأن الصراع لا زال محوره "الالوهية"، وسوى كان الطاغية "رمسيس" أو"لويس" فالأمر سيان، إذ الثابت في كل هذا هوأن كل من "رمسيس" و"لويس" يعتقد أنه "الرب الأعلى"، ويصرح بذلك، ومستعد للقتل والقتال حتى تبقى الأوضاع على هذا النحو.

وفي النهاية ثار الفرنسيون على الرجل الذي تصور، أوهناك من صور له، أنه رب الفرنسيين الأعلى!

وإذا تعمقنا أكثر في البحث/الحفر فسنجد أن الفكرة الثورية، التي قادت للثورة سواء في أمريكا أوفرنسا، قد ولدت في الزمن المسيحي لأن أهل الكتاب "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح بن مريم.."؛ وهذا نوع آخر من الطغيان، ولكنه طغيان ديني هذه المرة. رهبان النصارى يعتقدون أنهم الحكومة الشرعية للعالم! وقد وضعوا في تشريعاتهم أن البابا فوق الجميع (=الرب الأعلى) بما في ذلك الامبراطور والشعب. وهذا ما لا حق لهم فيه؛ وقد كشف القرآن عن ذلك لغرض تصحيح عقيدتهم، ونهج حياتهم، بالرسالة الجديدة، لكنهم آثروا الكفر بمحمد وما أنزل على محمد صلى الله عايه وسلم. الخدمة الوحيدة التي استطاعت الحضارة الإسلامية تقديمها لأوربا هي إعادة العقلانية الإغريقية إليها في صورة ما عرف باسم "الرشدية اللاتينية"، نسبة إلى ابن رشد الحفيد. ومن رحم هذه الرشدية اللاتينية ولدت الفكرة الثورية... "الفكرة الثورية" وليس "فكرة الثورة"!

تمثلت الفكرة الثورية في وضع الإمبراطور فوق البابا والشعب فوق الإمبراطور، وهذا ما كان خارج الخيال في العصور الوسطى. هذه هي الفكرة الثورية التي ولدت في كتاب مارسيليوس دي بادوفا "المدافع عن السلم" الذي ظهر(سنة 1324)، واقترح فيه المؤلف وضع الامبراطور فوق البابا، جاعلاً اختيار الامبراطور للشعب!

وهنا كان الميلاد الافتراضي لفكرة سيادة الشعب (= أن يكون الشعب هوالرب الأعلى) التي سنراها تتحقق مع قيام الثورة الفرنسية. لكن ذلك لم يتم إلا بعد أربعة قرون، ومن خلال المرور بالحقبة الملكية التي أصبح فيها الملك إمبراطوراً في مملكته. وهذا هوما يجعلنا نتعمق في البحث/الحفر في الطبقة الرومانية من الزمن، لأن فكرة الإمبراطور والإمبراطورية من الأفكار الرومانية (= أفكار أوربا قبل المسيحية).

في الطبقة الرومانية من الزمن كان الإمبراطور هوالرب الأعلى والإله المعبود: له معابد وتقدم له القرابين...إلخ. وقد راقت فكرة وضع الإمبراطور فوق البابا للإمبراطور هنري الرابع (الألماني) لا سيما أن اختيار الشعب له ما كان ليشكل أية عقبة في ذلك الزمان.

عقد هنري الرابع مؤتمراً شعبياً تم اختياره فيه إمبراطوراً، ثم زحف على روما (سنة 1328) فأقتلع البابا الرسمي ونصب بدله البابا الذي يناسبه باعتباره هوالامبراطور، أي السلطة العليا، أوالرب الأعلى، في التصور الجديد. ومن بعد سار ملوك الانجليز والفرنسيين على ذات النهج إلى أن نالوا الاعتراف لكل منهم بأنه الرب الأعلى في مملكته، باتفاقية وستفاليا، التي أبرمت سنة  1648.

حلم ملوك أوربا بأن يكون كل واحد منهم إمبراطوراً في مملكته، أي يكون مساوياً للإمبراطور الروماني (الذي يتساوى مع الفرعون في إدعاء أنه "الرب الأعلى") هوالرحم الذي تخلقت به فكرة الدولة الوطنية ذات السيادة. البذرة التي زرعها كتاب "المدافع عن السلم"، في العقل الأوربي تخلقت في أحلام الملوك، وساعد على ذلك انقسام الكنيسة على نفسها في القرن السادس عشر (لوثر وكالفن)، فلم يأت القرن السابع عشر إلا وهذه الأحلام قد تحققت باتفاقية وستفاليا. لكن الأحلام التي أصبحت حقيقة سياسية بعد ثلاثة قرون من الصراع بين البابا والملوك لم تعمر أكثر من قرن ونيف، ثم قامت الثورة الفرنسية.  

لقد أمضى الثوار الفرنسيون ثلاث سنوات وهم يحاولون تحويل الملكية المطلقة إلى ملكية دستورية، لكن جهودهم باءت بالفشل أمام ما كان يسمى "الحق الألهي"!

ومن بعد تجمعت جيوش عدة دول أوربية على الحدود الفرنسية وكانت موقعة "فالمي- Valmy"، التي لا يعلم أحد على وجه الدقة كيف انتصر فيها الجانب الفرنسي، لكن الفرنسيون كان يقاتلون فيها دفاعاً عن الوطن، وليس عن الملك أوباسمه، وكان شعارهم في المعركة: "تحيا الأمة".  في هذه المعركة ولدت الوطنية من رحم الثورة الفرنسية على يد دانتون، الذي كان وزيراً للعدل، وحرض الفرنسيين داعياً إلى الجرأة، ثم الجرأة، ودائما الجرأة في الدفاع عن الوطن، الذي كانت تتهدده جيوش أجنبية تروم نصرة النظام القديم.

كان الأديب الألماني غوته ممن حضر تلك المعركة، وبخصوصها قال: "من هذا المكان ومنذ هذا اليوم دخل العالم حقبة تاريخية جديدة..."... من تلك اللحظة دخل العالم حقبة الوطنية، والوطن الذي تسفك لأجله الدماء (دماء أبنائه وأعداءه)!

هذه هي إذن الوطنية: التوجه بالعمل للوطن، أولغير وجه الله... لقد تم وضع الوطن حيث كان الملك، الذي لازال في حينها العقبة التي لابد من إزاحتها من طريق الثورة!

البداية كانت مع "سان جوست" الذي انتهى، بعد موقعة فالمي، إلى نتيجة صارح بها الجمعية الوطنية قائلاً: "الملك.. إما أن يحكم أويموت"!

لقد كان قتل الملك أمراً مغرياً، لكن من يجرؤ على قتل فرعون؟ من يجرؤ على قتل الرجل الذي يُعتقد أنه "الرب الأعلى"؟ لكن على الجانب الآخر لن يعود فرعون إلى آدميته ما لم يُقتل! ولن يصدق الملاء أن فرعون بشر إلا إذا رآه جثة هامدة!

فما الحل؟

لقد جاء روبسبيير بالفكرة-الحل؛ نطق باسم الإله الجديد الذي يأذن بقتل فرعون الذي تقادم عهده! ففي أثنا محاكمة الملك بتهمة الطغيان ترافع روبسبيير(وكان محامياً لكنه حضر بصفة شاهد) لدعم الحكم بإعدام الملك قائلاً: " يجب أن يموت لويس لكي يحيا الوطن!... أنا لا أضع عنق لويس تحت المقصلة، ما أضعه تحت المقصلة هوعنق ألف سنة!" وقد أسس موقفه هذا على أن الإجراء المطلوب وهواعدام الملك: "ليس إجراءً عدلياً وإنما إجراء سياسي."... وبذا تحول لويس السادس عشر من طاغية يدعي أنه الرب الأعلى إلى قربان يقدم إلى الإله الجديد: (الوطن)... ومن بعد انتقلت الفكرة إلينا..!

وها نحن نشهد، بعد قرنين من الزمان، بعضاً من مساكين جنوب المتوسط يجاهد في الوطن.. وعلى استعداده لبذل دمه في سبيله..!

نحن ننسى، أوربما لا نعلم، أن تقديم القرابين من العبادات، وننسى أولا نعلم أن تقديم القرابين البشرية يقع في مستقر العادة لدى المشركين، وأن آخر المرشحين ليكون قرباناً بشريا، قبل الإسلام، هوعبد الله بن عبد المطلب.

لكل ما سبق لا ينبغي أن ينسينا إسلامنا، للحظة واحدة، أن غيرنا لا زال بعيداً عن الإسلام، وأنه لازال يجدد عالمه، المبني على تعدد الآلهة، بتقديم القرابين البشرية.. أحياناً!

ثانياً/ الحفـر تحت الوطن والدولـة الوطنيـة!

بعد عشر سنوات من قيام الثورة الفرنسية، جاءت فرنسا تدق أبواب مصر بثلاثين ألف جندي، وأربعمائة عالم، لتستولي على مصر مادياً بالجيش، ومعرفياً بالعلماء. لأول مرة منذ الحروب الصليبية تغير فرنسا تكتيكها فتستخدم قوتها المعرفية إلى جانب قوتها العسكرية. بعد ستة قرون من الحروب الصليبية أدركت فرنسا/أوربا أنها لن تستولي على الشرق مادياً إلا إذا استولت عليه معرفياً (= عرفت عنه كل شيء).  وهذا هومبرر الحفر تحت الوطن/الصنم والوطنية/الدين كمباحث معرفية لا زالت الغالبية العظمى من الدهماء تجهل مبانيها ومعانيها!

عندما استولى نابليون على مصر قام باختيار تسعة من علماء مصر وكون بهم ما عرف بـ"ديوان القاهرة". وكانت مهمة هذا الديوان مساعدة نابليون في إدارة الشئون المصرية. كان ديوان القاهرة الفكرة الجنينية لما سنشهده بعد قرنين في دولة ما بعد الاستعمار: حكومة وطنية تدير البلاد طبقاً للإرادة الاستعمارية.

وعندما قرر نابليون مغادرة مصر ترك في وصيته للجنرال "كليبير"، ما نصه: يجب تنويم التعصب لاقتلاعه من جذوره فيما بعد! Il faut endormir le fanatisme pour le le déraciner ensuite. هذا هو الخط الذي اتخذته السياسة الفرنسية تجاه المسلمين منذ ذلك الحين وإلى يومنا هذا: تنويم المسلمين لاقتلاع الإسلام من قلوبهم؛ وكانت المعرفة هي سلاحها لتحقيق ذلك.

بعد ثلاث سنوات من حملة  نابليون انسحبت جيوش فرنسا من مصر لكن تصميمها على احتلالها ثقافياً والسيطرة عليها معرفياً لازال باقياً إلى يومنا هذا، فهتاف "تحيا مصر"، على سبيل المثال، هوتقليد ببغائي لهتاف "تحيا فرنسا"! وهذا الهتاف بديل بائس لصيحة "الله أكبر"؛ فهل انتبه النائمون لجوهر القضية؟!

ليس بعد!

ولا يبدوأثر التنويم أشد وضوحاً منه على الحبيب بورقيبة الذي شهد أن:" ما سوف يبقى على مدى الدهر هوالعلم الذي بثته الجامعة الفرنسية في الصدور، لا عن طريق عُظماء أساتذة الحقوق والعلوم السياسية فحسب، بل كذلك عن طريق أولئك المعلمين المتواضعين الذين منحوني الشهادة الابتدائية، وأحسنوا تكويني، عندما كنت طفلاً صغير السن، ففتحوا لي أبواباً ولجتها وآفاقاً اندفعت فيها".

وبالنتيجة فقد بورقيبة هويته بالكامل، وأصبح شخصية مستلبة؛ وفي هذا الصدد يقول الدبلوماسي الأمريكي روبرت ميرفي: "لم ألتقِ خارج فرنسا برجل أكثر فرنسية من بورقيبة.... ولم أجد عربياً واحداً أقل عروبة منه". ولم يكن بورقيبة خجلاً من ذلك، بل على العكس كان فخوراً به، إذ يروي الأستاذ محمد مزالي(رحمه الله) في نصيبه من الحقيقة أن النقاش بين بورقيبة والمقيم العام الفرنسي احتد يوماً، فقال المقيم العام لبورقيبة: "إذا فهمت قصدك جيداً فان فرنسا لم تصنع شيئاً إيجابياً في تونس!"، فرد عليه بورقيبة قائلاً: "بلى صنعت بورقيبة"!

صنعت فرنسا بورقيبة على عينها، وأرضعته من حليب شفقتها/تعليمها، فجاء مطابقاً لرغبتها، ومنفذاً لإرادتها، في الصد عن الإسلام والتصدي للمسلمين ــ ولم يكن الوحيد!

ولازال أساتذة الجامعات الفرنسية يلعبون ذات الدور الملائكي في تنويم صغار المسلمين؛ فالتعليم هوبرمجة العقل البشري، لليقظة أوالنوم؛ والفرنسيون يبرمجون عقول أبنائهم على اليقظة ويبرمجوا عقول أبناء المسلمين على النوم.

العَلمُ الفرنسي، وأستاذ التنويم الجامعي، الذي ينبغي أن تدرس تجربته هولويس ماسينيون، الذي يصفه عبد الرحمن بدوي (النائم) بـ"المستشرق العظيم"، بينما يصفه مالك بن نبي (صاحب التجربة الحية/المريرة) بـ"العنكبوت"! 

كتب العنكبوت في منتصف القرن الماضي بحثاً بعنوان:"الغرب في مواجهة الشرق: أولوية الحل الثقافي"، يقترح فيه التعليم سبيلاً لإعادة تركيب القوى العقلية للمسلمين. المقال مشفر، ولا يمكن أن يخرج منه القارئ العادي بشيء! وأنا، من جانبي، لا أدعي ملكية شيفرة لويس ماسينيون، ولكن كتاب ادوارد سعيد "الاستشراق" ساعدني على الفهم، وكتاب مالك بن نبي "العفن" أعطاني الدليل.

يتحدث بن نبي عن أحدى نجاحات ماسينيون فيقول:" لم يتسن لي التعرف على عبد الجليل، الذي استفرد به ماسينيون قبل وصولي باريس[1930]، فأحتجز بين أربعة جدران لحضور حلقات دراسية وتكوينية في الدين المسيحي ((Séminaire ليغادرها سنين بعد ذلك تحت اسم "الأب عبد الجليل" (Le père Abdeljalil). وربما كان أجدر الطلبة وأفضلهم، فقد كان شاهداً على تحلل البورجوازية المسلمة وتعفنها (وكان هونفسه منتمياً إليها)، فلجأ إلى المسيحية مدفوعاً بمثالية عرف ماسينيون كيف يزينها له وهوالمبتدئ الذي تعوزه التجربة.".

كان ماسينيون ينتقي النابه من طلبة المسلمين بفرنسا لتنصيره، فان استعصى على التنصير، وتمسك بدينه، حطمه! لقد استطاع ماسينيون تحطيم أستاذ مالك بن نبي وصديقه "حمودة بن الساعي"، وعمل ما في وسعه لتحطيم مالك بن نبي فما استطاع، لكنه حول حياته إلى جحيم. (كتاب بن نبي "العفن" منشور على الانترنت وأنصح بمراجعته لتكوين صورة عما مر به مالك على يدي ماسينيون).

كان العنكبوت يقدم نفسه للعالم على أنه صديق للمسلمين، وأنه مع كفاح الجزائريين والفلسطينيين...إلخ. ولم يكن لكل ذلك من هدف سوى أن يزداد نوم النائمين عمقاً.

كتب العنكبوت بحثه المذكور أعلاه في اللحظة التي أصبح فيها الاستقلال قاب قوسين أوأدنى. وحيث كان الاستقلال يعني أن على فرنسا تسليم مقاليد الأمور لبعض سكان المستعمرات، أفلا يكون من الأجدى لتطوير المشروع الاستعماري، وإفراغ الاستقلال من أي محتوى حقيقي، تسليم مقاليد الأمور لإنسان من نوع بورقيبة، أوسنغور؟

لقد كان بورقيبة وسنغور من كبار الأمناء على تراث فرنسا في البلاد المستعمرة، ويعد كلاهما أنموذجاً فريداً لنجاحات فرنسا في إفريقيا، مع تفوق نسبي على مستوى سنغور الذي تنصر وأصبح أول رئيس كاثوليكي يحكم دولة مسلمة (السنغال).

ثم يأتي من لديه الجرأة على التحدث عن الاستقلال والسيادة!

يؤسفني أن أقرر أن مثقفينا يسيرون وهم نائمون! لقد ثبتهم التعليم على صراط التبعية فلم يعد بإمكانهم رؤية غير ما أراهم الاستعمار! وفي أجواء هذه التبعية أصبحت قيم الإسلام قيم ثانوية؛ فلم يعد للأخوّة، التي جعلها الإسلام قيمة حاكمة، موضعاً جنب المواطنة، ولم يعد لدار الإسلام معنى أمام الوطن، الذي أصبح المعتقل الذي إذا خرج منه المسلم أصبح أجنبياً في كل مكان! وليس هذا كل ما في الأمر فقد أصبحنا في حرب أهلية على مدار الساعة، وفي هذا الصدد أود، قبل أن أختم، تبيان علاقة "الوطن" و"الوطنية" بهذه الحرب الأهلية التي تجري في "دار الإسلام" وبين المسلمين.

لم يمر عام على استقلال الجزائر إلا واندلعت حرب الرمال بينها وبين المغرب بسبب الحدود، وبعدها اندلعت الحرب الليبية التشادية بسبب الحدود، ثم الحرب العراقية الإيرانية بسبب الحدود. ولا شك عندي في أن كل هذه الحروب كانت تبرر، للمساكين الذين يدفعون ثمنها، على أنها دفاع عن الوطن، وحماية لسيادة الدولة على إقليمها الترابي، وغيره من العبارات/السماجات التي تعلمها المساكين في الجامعات الفرنسية، أوالعربية التي لا تختلف عن الفرنسية في المعلومة والمنهج.

دفاع الفرنسي عن حدود فرنسا أمام ألمانيا مفهوم ومبرر، لأن الفرنسيين والألمان أمتان، أما المغربي والجزائري والليبي والتشادي والعراقي والإيراني فهم أمة واحدة، ومن الغباء أن يتبنى أي منهم تجاه أخيه المسلم ما تبناه الفرنسي تجاه عدوه الألماني.

وهناك ما هوأسوأ: إذا خرج المسلم من المعتقل المسمى "الدولة الوطنية" إلى أي معتقل مجاور فسيجد نفسه أجنبي حيث اليهودي أوالمسيحي مواطن! وليس لدي اعتراض أن يكون اليهودي أوالمسيحي مواطن حيث يسكن (جربة أوبيروت) ما أعترض عليه ولا يمكن أن يجد قبولاً عندي هوأن أصبح أنا أجنبياً في ما يفترض أنه "دار الإسلام". من الطبيعي، ومن المشروع، أن يتنقل المسلم بحرية ودون أدنى قيد سياسي بين طنجة وجاكرتا، ولكن كل هذا لا يمكن أن يتحقق إلا بعد زوال "الدولة الوطنية" التي لا قيمة لها إلا كمعتقل جماعي تركنا فيه الإستعمار ساعة رحيله، بعد أن سلم مقاليد الأمور لعساس أسمه صاحب الجلالة أوصاحب الفخامة! ولازال العساس يعتقد أنه سيحقق شيء لبلاده بحراسة قيم فرنسا جنوب المتوسط!

يقول الشيخ محمد عبده: "لا توجد أمة تبغض المسلم لأنه مسلم، لا لأمر آخر، إلا فرنسا". وكل الذين رضعوا حليب فرنسا بشكل مباشر أوغير مباشر يجمع بينهم بغض الإسلام وأهله! لأن هذا هوحليب الأم! هذا هوالحليب الذي كون وعي بورقيبة وسنغور للعالم، وهذا هوما جعل من كل منهما عساساً على قيم فرنسا في دولة ما بعد الاستعمار!

والعسس الأخرون (الجنرالات) الذين نصبهم الاستعمار، ولا زال ينصبهم، يديرون المعتقلات الوطنية بعقلية المستعمر، ويطبقون على السكان ذات الإجراءات التي يطبقها الصهاينة على الفلسطينيين. وأنا أتحدث هنا عن السكان، الذين ليسوا بالضرورة مواطنين، لأن صفة المواطنة لا تنطبق إلا على الذين يشاركون في الحياة السياسية مثلما يشاركون في الحياة البيولوجية.

والإجراءات التي تطبق على الفلسطينيين في فلسطين المحتلة وغيرهم من العرب في الدولة الوطنية هي التالية: اعتقالات إدارية لشهور وسنوات في معتقلات خارج القانون، تصفيات معنوية وجسدية للمعارضين السياسيين، ونهب للمال العام وممتلكات الأوقاف! وهناك من الجرائم ما لم يرتكب في حق السكان منذ أيام الإستعمار الإيطالي، مثل إعدام المعارضين السياسيين بعد محاكمات مقتضبة، في الجامعات، أوعلى الهواء مباشرة، وفي شهر رمضان!

وسأختم هذه المقالة بموقف صغير "ميكرو" لمالك بن نبي من بداية القرن الماضي لنرى كيف تحول ذاك الموقف الصغير إلى موقف كبير "ماكرو" في دولة ما بعد الاستعمار، مع نهاية القرن.

الموقف الصغير يقول فيه بن نبي: "عندما أخبرني صديقي بن الساعي برغبة ماسينيون في لقائي كنت أجهل أن جميع الخيوط التي تحرك عالمنا الصغير كانت بين يدي هذا الأخير. وكان هونفسه خفياً متوارياً كالعنكبوت في بيتها. ويجب أن أقول من جهة أخرى، أنني أخذت وعياً في الحين لماذا تسعى هذه العنكبوت لاجتذابي في شبكتها التي وجد عبد الجليل نفسه من قبل محبوساً بين خيوطها، مخدراً ومقيداً".

هذا الموقف الفردي لعبد الجليل، الذي نجا منه مالك بن نبي بشكل فردي أيضاً، هوما وقع فيه مسلموا دولة ما بعد الاستعمار بشكل جماعي، نظراً لأن منظومة دولة ما بعد الاستعمار، أوالدولة الوطنية، هي في جوهرها شبكة قانونية معقدة حيكت لغرض، مثل بيت العنكبوت؛ ولذا تجدنا فيها: بعضنا مخدر والبعض الأخر مقيد... وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لوكانوا يعلمون! لوكانوا يعلمون..!

محمد بن نصر

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments

لا تعليقات على هذا الموضوع