د. أحمد ابراهيم الفقيه: ليبيا والنجاة من زوابع الرمل 4/9/2015 14:10 د. أحمد ابراهيم الفقيه: ليبيا والنجاة من زوابع الرمل
د. أحمد ابراهيم الفقيه بحث

في كتابه التواريخ يخصص هيرودوت، المسمى بابي التاريخ، جزءا عن ليبيا يطلقون عليه الكتاب الرابع، يورد فيه قصة ذات طابع رمزي فانتازي تقول بان الرياح الجنوبية العاتية القادمة من عمق الصحراء الليبية، جففت جميع الابار، فتشاور اهل البلاد فيما بينهم، ثم زحفوا كتلة واحدة، يشنون الحرب على الرياح الجنوبية، في منابتها، في اغوار الصحراء، وكانت النتيجة ان دفنتهم تلك الرياح تحت رمالها.

الصراع مع الصحراء ورياحها طبع حياة الليبيين منذ فجر التايخ، وكان هذه الصراع عاملا حاسما في صياغة حياتهم وتاريخهم وتراثهم وانعكس على خصائص شخصيتهم، ولم يكن غريبا ان يطلق الطاغية القذافي الذي حكم ليبيا اربعة عقود ونيف على نفسه"رسول الصحراء"، وان يضع شعارا لحكمه يقول"الخيمة تنتصر على القصر"، وهو شعار يعبر عن حقيقة انتصار القيم البدوية البدائية على قيم المدنية والحضارة والعمران التي تميزت بها مدن الساحل الليبي، والتي كانت تقود المجتمع، وتستأثر بتقديم الطلائع المستنيرة، صاحبة الاسهامات العلمية والادبية التي عرفتها ليبيا عبر التايخ، وتولت في المراحل الاخيرة انجاز دولة الاستقلال، وهي الدولة التي استطاعت خلال اقل من عقدين من السنين سبقت انقلاب سبتمبر 69، ان تحيل صندوق الرمال المسمى ليبيا الى بلد ناهض له دستور ومؤسسات امنية وعسكرية وجهاز اداري وبنية تحتيه، رغم الميلاد المتعسر للاستقلال، وفي ظروف شديدة الصعوبة والتعقيد،  فقد تم اعتبارها عند استقلالها في 24 ديسمبر 1951 افقر دولة في العالم، ولم تستطع وضع ميزانية الا بمساعدات خارجية بلغت خمسة مليون دولار، عززتها فيما بعد برهن جزء من استقلالها الى امريكا وبريطانيا عبر اتفاقية انشاء قاعدة عسكرية جوية لكل منهما، مقابل مبلغ وصل مجموعة عشرة مليون دولار سنويا، ولم يكن هناك كوادر ولا عناصر مؤهلة ولم يكن هناك ليبي واحد يملك شهادة جامعية في الطب او الهندسة او المحاماة، وكانت نسبة الامية 95%  في المائة ومجموع خريجي الجامعات 15 شخصا،  من مجموع عدد السكان، وقد بلغوا مليون نسمة، تتفشي فيهم امراض التراخوما وفقر الدم، وكانت دورة كبيرة تلك التي دارتها الافلاك، وتبدلت خلالها حظوظ  اهل ليبيا، لتنتقل بلادهم من افقر دولة في العالم، الى اغنى دولة في قارة افريقيا،  بفضل اكشتاف النفط، والشروع في تصديره في مطلع الستينيات، "وافرح يا ليبي وغني وقول، على بلادي فيها البترول" كما صارت فرق الموسيقى والغناء تصدح في الاعراس، وبدأ العد التنازلي لحياة الفقر والبؤس ومدن الصفيح، ومجيء المرحلة الوردية التي تعد المواطن الليبي بالسعة في الرزق وارتفاع مستوى المعيشة، الى حد ان الكاتب المصري المعروف محمد حسنين هيكل، يذكر في كتابه مقالات يابانية، انه حضر جلسة في القصر الجمهوري المصري، مع الرئيس المصري ورئيس الوزراء الروسي، اليكسي كوسيجين، كانت تستعرض فيه بيانات الاقطار العربية، وتوقف الحاضرون امام ورقة البيانات الليبية، يغبطون هذا الشعب الذي سيكون كل فرد فيه مليونيرا بعد سنوات قليلة.

الا ان دورة افلاك كبيرة، دارت هذه المرة  دورة اكثر عنفا وخطورة من الدورة الاولى، وفي اتجاه معاكس لها، اطاحت بهذه الاحلام الوردية، ووعود المستقبل الحافل بالحياة الرغدة اللذيذة، بقيام الحركة الانقلابية في الاول من سبتمبر 1969، التي جلبت الى سدة السلطة حاكما يحمل كل تشوهات القرون منذ عصر هيرودوت ومحاربي الريح، الى ارث القهر والرعب الاستعماري الذي عرفته ليبيا  عن طريق الفرسان الصليبيين، الى جنرالات الفاشية الايطالية، مروروا بخوازيق الحكام الاتراك، وقد تمثل مجنون ليبيا كل مواريث القمع والقهرهذه، ليعيد انتاجها وتصنيعها ويباشر، ارغام الشعب الليبي على ان يتجرعها صباح مساء، وعلى مدى الاربعين عاما التالية، ولم يكن مجيئه وتمكينه من حكم ليبيا كل هذه العقود، معزولا عن اجندات اجنبية، وقوى تحكم من ورائه، وتعمل على توظيفه لتنفيذ اغراضها، (كما صارحه بذلك خادم الحرمين الشريفين الراحل الملك عبد الله، في المواجهة الشهيرة بقمة شرم الشيخ) وكانت النقمة لدى الشعب الليبي قد بلغت اوجها عندما انطلقت شرارات ما اسميناها ثورات الربيع العربي (الذي شاخ سريعا، وذبلت زهوره وتساقطت اوراقه وصار خريفا) وتحولت هذه الشرارات الى حريق اشتعل اواره في هياكل النظام، حتى تركه رمادا وانقاضا، وكان كثيرون من خارج ليبيا يتساءلون كيف استطاع الشعب الليبي انجاز ثورته، وكان الرد الذي ابادر شخصيا بقوله، هو ان الغريب ليس قيام الثورة، ولكن كيف سكت الشعب الليبي  وصبر على الاذى والقمع والتنكيل والتفقير والتجويع كل هذه السنين.

ما حدث بعد نجاح الثورة وازاحة الطاغية ونظامه، هو ما يمكن ان يشكل مفارقة لا تقل في عجائبيتها وغرابتها، عن مفارقة الزمن الغابر التي اوردها هيرودوت في كتابه الرابع، والتي ادت ان يدفن فيها الليبيون انفسهم تحت رمال الصحراء.

كان الليبيون يعتقدون، ويشاركهم في هذا الاعتقاد قطاع كبير من الرأي العام العربي والدولي، ان الطاغية القذافي، كان هو الستار الحديدي، الذي يحول بين الشعب الليبي، وبين انخراطه في مسار الدولة الحديثة، التي يتمتع فيها المواطن بحقوقه في الحياة الكريمة، والمستوى المعيشي الذي تؤهله له موارده الكثيرة، نفطا وغازا، وثروات معدنية وزراعية وبحرية،  وبقائه محروما من خيرات بلاده تحت الحصار والحظر الدولي الذي جعلها دولة من مطاريد الجبل او بالاصطلاح العالمي pariah state، كما ارادتها حماقة القذافي  وشخصيته المريضة، وبزواله سوف يغذو الطريق سالكا آمنا، لانجاز هذه الحياة التي يطمح المواطن الليبي الى ان يعيشها،  وبناء دولة الدستور والمؤسسات، ورجوعها الى سياق الدولة المدنية الحديثة التي  تربطها علائق الود والصداقة والشراكة الانسانية  والحضارية مع بقية دول العالم.

ولم يكن متوقعا اطلاقا، ان يحدث العكس، وان يعني سقوط نظام الطغيان، الدخول في مرحلة من الفوضى والاجرام والاحتراب، اكثر بشاعة وقبحا ورعبا وقمعا، وانتهاكا للحقوق، من النظام المنهار، واكثر اهدارا لقيم الثورة التي اعلنتها في مواثيقها واعلانها الدستوري المؤقت، بحجة حماية هذه الثوة وصيانتها.

والسؤال الذي يطرح نفسه في مثل هذه الحالة، هو لماذا وكيف وما هو الخطا الذي انحرف بمسيرة الثورة الى هذه المآلات الكارثية؟

والاجابة لابد ان تبدأ من حقيقة ان اهل المطامع، في المحيط الدولي وارباب الراسمالية المتوحشة، وعناصر او دول في المحيط الاقليمي، تتطلع الى لعب دور لتعزيز مركزها او خدمة سياستها، يرون في ليبيا ال دورادو، مدينة الذهب، التي يتسابقون للاستحواذ على كنوزها، وكما كان انقلاب القذافي جزءا من لعبة المطامع والركض للفوز بالذهب، فان نفس اللعبة، تبدا بعد مصرعه، بادوات جديدة واقنعة جديدة، ولاعبين قدماء ومستحدثين.

وقد سال حبر كثير، في الصحف، وسرى، كلاما عبر موجات الضوء والهواء، تبثه الاذاعات المرئية والمسموعة، يرجع تخليق  التطرف الاسلامي وجماعاته من دواعش وقاعدة وبوكو حرام وانصار الشريعة وانصار بيت المقدس وغيرهم، الى مخطاطات استخبارية دولية، غربية وشرقية، وربما مشاركات ماسونية وموسادية، واطراف خفية مجهولة، واجندات سوداء، تعمل في الخفاء، فلن يكون غريبا تبعا لذلك ان يكون كائن التطرف الشائه القبيح المتوحش، موظفا توظيفا قويا في الحالة الليبية، وكان حضور هذا الكائن، رافعا براثنه، مكشرا عن انيابه للافتراس، واضحا منذ بدايات الثورة الليبية، واعلن اعلانا صاخبا ومرعبا على هذا الحضور، عندما تربص بقائد الثوار، اللواء عبد الفتاح يونس، وفتك به على الطريقة الداعشية، قتلا وتمثيلا بجسده وحرقا له، وقتلا لمرافقيه وحراسه بنفس الطريقة، ليقول انا هنا، وليضع منذ تلك اللحظة بصمته الكريهة على مسار الثورة، ويمنع قيام المؤسسة العسكرية، وقيام المؤسسة الامنية، لان اللواء عبد الفتاح يونس جاء الى الثورة من خلفية انه كان وزيرا للداخلية، يقحم المؤسسة الامنية في في الفعل الثوري ضد النظام، ومن خلفية انه قائد لمعسكر الصاعقة التابع للجيش، ليجره هوالاخر الى سياق الثورة، فكان لابد  لقطع الفرصة على بناء دولة المؤسسات، من الفتك به، ثم اودى مسلسل الاغتيالات التي قام بها المتطرفون، بحياة ستمائة كادر من كواد الثورة،  امنيين وعسكريين وقانونيين،  وتحصلوا، مغالبة وقسرا، وليس عن طريق التصويت، بعدد من المراكز في السلطات الانتقالية التشريعية والتنفيذية، وشرعوا في تمكين عناصرهم في مؤسسات المال وصنع القرار للاستلاء على مقرات الجيش، وتمويل مشروعهم، مشروع التطرف والارهاب، ولم يكن ينقصهم المدد الذي يأتي من الخارج عتادا ومالا ورجالا، الى ان سيطروا على المشهد السياسي الليبي، في اغلب المناطق، وبينها العاصمة نفسها، معطين لنفسهم، في هذه الحالة، وجها يدعي الاعتدال، ويناويء التوحش الداعشي، قولا لا فعلا، وصار يزيح السلطات الشرعية القائمة على التفويض الشعبي، عبر صندوق الاقتراع، من مكان المركز، لتحتل مكانها في الزويا والهوامش.

المفارقة التي لا ادري كيف يستطيع اهل التنظير السياسي في الغرب، وصانعي سياساته، شرحا وتفسيرها، هي كيف يستقيم ما يفعلونه من دفع للاسلام السياسي في العالم العربي، ومناصرته على حساب الدولة المدنية، مع ما يتباهون به، بان تحقيق النهضة وبناء الدولة الحديثة لم يبدأ الا عندما تحقق فصل الدين عن الدولة، واخذ مكانه في مواثيقهم ودساتيرهم خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، حتى استقرت مناهج الحياة والمجتمع والسياسة استقرارا نهائيا على عدم الخلط بين الدين والسياسة وفق القاعدة التي تقول الدين لله والوطن للجميع.

رافقت هيئة الامم المتحدة ومجلس امنها مسيرة ثورة 17 فبراير، منذ بدء تفجرها، وكانت قرارات الدعم والمناصرة للثورة السلمية وحماية المدنيين، التي اصدرها مجلس الامن، فاعلة في انجاح الثورة، وهي التي حسمت الصراع لصالح قوى الثورة ضد قوات الطاغية وكتائبه، وكان هناك انتقاد يقول انها اوقفت تدخلها المسلح قبل انهاء المهمة، تاركة اكثر من عشرين مليون قطعة سلاح موجودة في البلاد، بايدي قوى خارج الاطارالشرعي للدولة.

تواصلت هذه العلاقة بين  الحراك الجديد وبين الهيئة الاممية من خلال بعثة الامم المتحدة للدعم في ليبيا التي يرأسها ممثلا خاصا للامين العام،  هو الان برناردينو ليون، الذي استلم هذه المهمة  منذ عام مضى، في ظروف شديدة الصعوبة، وصل فيها الصراع بين الاطراف الى مرحلة الاشتباك المسلح، الذي اخرج مطار طرابلس الدولي من الخدمة، واحرق خزانات النفط، وادى الى تهجير مدن كاملة من اهلها في منطقة طرابلس وما حولها، وهو صراع بين شركاء في الثورة، بالتوازي مع صراع يدور في الشرق بين جماعات التطرف من شورى بنغازي وانصار الشريعة وداعش والقاعدة من جهة والجيش الليبي، الذي بادر الى تنظيم صفوفه والدخول في المواجه مع هذه الاطراف. وعندما وصل السيد ليون ليباشر عمله في ليبيا، كانت الحكومة الشرعية قد اجبرت على مغادرة العاصمة، وانعقد البرلمان مضطرا في اقصى مدينة في شرق البلاد، هي طبرق، وسيطرت على العاصمة جماعات تنتمي الى تحالف الاسلام السياسي، لتنشيء هي الاخرى حكومة بديلة غير الحكومة المؤقته المنبثقة عن البرلمان، وتقوم باحياء مجلس نيابي مؤقت انتهت صلاحيته ليكون سلطة تشريعية موازية للبرلمان المعترف به دوليا، تكريسا للتقسيم القائم على المغالبة وسلطة السلاح،  تعويضا للخسارة التي منيت بها عناصر الاسلام السياسي في اخر انتخابات نيابية، وفي هذه الظروف كان على مندوب الامين العام للامم المتحدة السيد ليون ما يمكن ان يكون مهمة مستحيلة، وهي جمع شتات هذه الاطراف المتنافرة المتحاربة التي تمكنت من بعضها نعرات جهوية وعشائرية، مع ولاء لعقيدة سياسية تسبق غالبا الولاء للوطن، علاوة على لوردات حرب، الذين يعرفون ان سلطة الدستور والقانون تعني انهاء للسلطة التي اخذوها بقوة السلاح، وقد اجرى عدة جولات للمفاوضات وحرر عدة مسودات ولكنها  انتهت الى فشل وتفرق واختلاف، ويلوح الان امل، في هذه الجلسات الاخيرة التي تشهدها منطقة الصخيرات في العاصمة المغربية، وحدد لها اخيرا موعدا في جنيف لتكون الحوصلة الاخيرة وربما المسودة الاخيرة التي يتم فيها الاتفاق على اقامة حكومة وحدة وطنية، تنضوي كل البلاد تحت سلطتها، بما في ذلك الجماعات المسلحة التي سوف تعمل وفق قوانين وتراتبية ونظام المؤسسة العسكرية الرسمية. وسيقوم المشاركون بالتوقيع  على نسخة نهائية من وثيقة المصالحة في جنيف، بعد ان تحصل على امضاءات بالحروف الاولى على نسخة مبدئية لم ينضم الى توقيعها كل الفرقاء. وسبب هذا الامل في الوصول الى نتيجة، الذي لاح اخيرا جدا، ياتي من النقاط الست التالية:

الاولى: ثمة شعور شعبي عارم غامر،  تم التعبير عنه  في  مظاهرات وتوافقات جهوية ومن خلال  مجالس بلدية منتخبة،  يؤكد ان الشعب الليبي بكل فئاته واطيافه وعناصره ومناطقه يريد انتهاء هذه الانقسامات التي انتجت له ازمات معيشية، تعطلت خلالها المرتبات، وانهارت قيمة العملة، وكثرت البطالة، وتضاءل الدخل من النفط الى حد يهدد بافلاس الدولة، وتفاقمت الازمات التي يعاني منها الناس معاناة يومية، متمثلة في غياب التيار الكهربائي، ونفاد الوقود من محطات البنزين، ونفاد الدقيق من السوق، ووقف المطاحن والمخابز عن العمل، وصولا الى ازمات في ماء الشرب، وانهيار يتزايد في الامن وانتشار الجريمة المنظمه، جعلت صرخة الراي العام الليبي تصل واضحة الى آذان اهل الحراك السياسي وتهددهم بثورة تطيح بهم كما اطاحت بالقذافي.

الثانية: التمدد الداعشي الذي وصل الى احتلال احدى اكبر مدن ليبيا، وعاصمة المنطقة الوسطى وهي سرت، ويحتل جزءا من شاطيء البحر الابيض المطل على  اوروبا مداه 200 كيلو مترا، ويسيطر تنظيم الدولة الاسلامية سيطرة كاملة على هذه المدينة، تخفق اعلامه السوداء فوق كل ابنيتها ومؤسساتها الاقتصادية  والادارية والسياسية ومطارها ومينائها، وقد ارتكب عددا من المجازر، وهاجم حيا شعبيا لان شيخا سلفيا اعلن التمرد على داعش، فطال الانتقام المنطقة كاملة وجرى الذبح لرجال ونساء في الشوارع، وتعليق للجثث في اماكن عامة. مما اطلق صرخة احتجاج وفجيعة ترددت اصداؤها لدى الراي العام العالمي والعربي. علما بان اغلب عناصر هذه العصابة، قادمة من مختلف اصقاع الارضية لا يمثل الليبيون فيها الا نسبة قليلة، بينهم اناس من اليمن وتونس ومصر والجزائر وغير عرب من افغانستان وبنجلادش، وانضم اليهم اخيرا عدد  كبير من الافارقة القادمين من عصابة بوكو حرام.

الثالثة: هي ان الفراغ الناتج عن غياب الدولة جعل الساحة مفتوحة، ليس فقط لعصابات التطرف الديني، ولكن لعصابات الجريمة المنظمة، تهريبا وتجارة في السلاح، ثم تاتي اكثر هذه العصابات، استفزازا للضمير العالمي وجلبا للكوارث التي تتكرر كل يوم، وهي تلك التي تتاجر بمآسي الفقراء، الهاربين من جحيم البؤس في بلدان الجنوب،  الى حلم الحياة في دول الشمال، وقدم انهيار الدولة في ليبيا، وغياب السيطرة على حدودها المتاخمة لدول جنوب الصحراء وحزام الفقر الافريقي،  ومساحة الشاطيء الليبي الذي يبلغ طوله الفي كيلو متر،  مطلة على قارة اوروبا، خالية من الرقابة وسلطة  الدولة، فرصة لازدهار هذه التجارة، وانطلاق مراكب الموت من الساحل الليبي، التي قد تصل الى هدفها، وقد تتحول الى جثث طافية فوق مياه البحر ترمي بها امواجه الى الشاطيء، وتكررت الكوارث التي استصرخت ضمير العالم تدعو صانعي السياسات وارباب القرار الى ايقاف هذه الكوارث، والبحث عن حلول لها، احداها ايجاد حكومة تملأ الفراغ في ليبيا، وتسيطر على الحدود والسواحل الليبية، التي يستخدمها المهاجرون ارض عبور ومحطة انطلاق.

الرابعة: تنامي الضغط الدولي، الداعي الى ايقاف العبث الذي يحدث في ليبيا، والذي اطال عمر الازمة،  في هذه الدولة المصدرة للنفط، ذات المكان الاستراتيجي بين شرق العالم العربي ومغربه، وبين اوروبا والعمق الافريقي، لان نتائجه الكارثية لا تقتصر على ليبيا واهلها فقط، ولكنه يفيض  على دول الجوار، ودول الاقليم، ودول الضفة المقابلة من البحر الابيض المتوسط، وتصاعدت دعاوى الحل من كل ركن من اركان العالم، اقليميا ودوليا، دعاوى من امريكا وروسيا، من الاتحاد الاوروبي وهيئة الامم المتحدة ومجلس امنها، من الجامعة العربية ومحيطها الاقليمي، تطالب بايقاف حالة التردي والانهيار في الحالة الليبية، والبحث عن حل لازمة البلاد التي صنعت ضحايا عربا وافارقة واوروبيين، عدا ضحايا الاقتتال من الليبيين، واخرين ذبحهم الارهاب النابع من ارض ليبيا، وانتج افلاما عنهم وهم ينحرون على شواطئها وفي صحاريها، اوضحايا اخرين ارسل القتلة للفتك بهم في سواحل تونس او واحات مصر او جبال الجزائر.

الخامسة: من الواضح ان هذه الاطراف المتصارعة، المتحاربة، وقد طال بها امد الصراع، تعويلا على ان تحصل على الدعم والموارد التي تؤهلها لتقوية مركزها، مقابل خصمها، وحسم الصراع لصالحها، اخفقت جميعها في تحقيق هذا الامل، وظلت تراوح في مكانها، واكتفي كل طرف بالتمكين لنفسه في قطعة الارض التي استولى عليها من الخريطة الليبية، وتعزيز وجوده فيها، متخليا عن فكرة انه قادر على دحر الخصم، واخراجه من المشهد، والقضاء على وجوده وسط المعادلة، فكان الادعان لفكرة ان ياتي طرف ثالث يقف على الحياد، هو بعثة الامم المتحدة، ويدخل حكما بين المتصارعين المحليين، ويضمن لكل طرف حصة في الترتيبات الخاصة بمستقبل البلاد، امرا لا مندوحة عنه، وهو ما حصل وما جعل الصلح بين المتنافرين المتناقضين الماسكين باعناق بعضهم بعضا، ممكنا.

السادسة: وليست الاخيرة ولكنني ساجعلها كذلك هذه المرة، تاركا بقية  النقاط  الى مناسابات قادمة، لانه يصعب احتواء كل هذه الازمات والكوارث في مقال واحد، وهي نقطة لابد من ذكرها، رغم انها تاتي عرضا، وبشكل طاريء ومباغث، في سياق الاحداث الاخيرة وتطورها، الا ان لها دلالة بالغة الخطورة، تشير الى حجم المعاناة التي يعاني منها اهل البلاد، من جراء حالة الفوضى والارهاب وانهيار الامن والقانون، وهي ضبط عدد من الليبيين، في قوارب المهاجرين غير الشرعيين، الذين وصلوا سالمين الى ايطاليا، وهو ما اطلق ناقوس الخطر والفجيعة، يدق عاليا في قلب وعقل كل مواطن ليبي، داخل الحراك السياسي وخارجه، مذكرا بالاوج الذي وصلته المأساة في ليبيا، فهذا المواطن الذي كانت بلاده، تستقطب المهاجرين والباحثين عن فرص للحياة من خارجها، يتحول الى مهاجر غير شرعي يمتطي مراكب الموت، هاربا من بلاده، لاجئا مع اهل اللجوء الى بلدان كان في الماضي يذهب اليها من ابوابها الشرعية، سائحا او مستثمرا يلقى الترحيب، وضيفا محاطا بالتكريم والتوقير والاعتزاز بقدومه، وهو حال لن يصبر عليه الليبيون طويلا اذا لم يات الحل سريعا، هنا والآن.

واذا صح لي في ختام هذا المقال ان انحى منحى شخصيا، واقتبس بيت شعر لشاعر الوطن احمد رفيق المهدوي عندما يقول: (ويكفيك ان العبد لله منهم... وهو عليهم في القياس دليلفانني اقول باعتباري شاهدا على الاحداث، وجزءا من المحنة التي يعيشها المواطن الليبي، بانني عشت على مدى السنوات التي سيطر فيها القذافي على الحكم، لا اطأ ارض البلاد، الا لاخرج منها باحثا عن مساحة للشهيق والزفير، بسبب الاجواء الخانقة في البلاد، وزوابع الرمل التي يثيرها رسول الصحراء، ولكن خيار العودة الى بيتي في طرابلس كان  خيارا متاحا دائما، وكنت اعود الى البلاد وارحل عنها متى اريد، ولكنني الان وقد انتهى القذافي ونظامه الكريه، اجد نفسي ولاول مرة هاربا من البلاد، غير قادر على العودة اليها، في ظل الاحتراب والخطف وغياب القانون، التصق بالارض، انصت الى وقع اقدام الميليشيات، متى اسمعها تغادر عاصمة البلاد كي استطيع العودة اليها.

هل سيحدث هذا، في وقت قريب، وهل ستعود الحياة في ليبيا الى سياقها الطبيعي، انني اقول نعم، ليس تعبيرا عن رغبة في ذلك، ولكن عن يقين بانه خبر سوف نسمعه في الاسابيع القادمة باذن الله، وساعود الى بيتي في طرابلس، وستعود طرابلس عروسا للبحر الابيض المتوسط كما كانت في ازمنة مضت، وسيعود تمثال الغزالة والصبية التي تغتسل عارية تحت النافورة، والذي اختطفه اهل التطرف الديني، ليحتل مكانه وسط حدائق البلدية كما كان. لقد عانت طرابلس طويلا وكثيرا من زوابع الصحراء التي تكتم الانفاس وتجفف الماء في الابار وتردم المواطنين تحت رمالها، ولن يحتاج الليبيون الى الذهاب بحثا عن هذه الرياح لقتلها في منابتها، لقد انتهت الى غير رجعة، كما انتهى صانعوها، وسيجلسون على شاطيء  بحر طرابلس الجميل ينعمون بانسام البحر، التي عادت عزيزة كريمة لاحتضانهم بعد فراق طويل.

د. أحمد ابراهيم الفقيه

* ينشر بالتزامن مع صحيفة الحياة

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
Thank you
Good analysis. Thank Dr Ibrahim for this article, continue writing and never mind the conditioned...
التكملة
محمد الحسناوي
العبرة دائماً بالنتيجة. اين يقف الليبيون اليوم، يا دكتور الفقيه. عسى الله ان يبدل حالنا باحسن حال. ومن يدري لربما تحقق حلمك بالعمل في المكتب الشعبي لندن كما كنت تطمح…...
التكملة
تقّـــاز
أستميح العذر في توجيه عناية الأديب والكاتب المحترم، بأن لا يلقى بالاً لما يكتب من (تعليقات) سطحية مسطحة كتلك التي وردت عن من تَسَمّى (وردة حداد) وأن لا تستفزه تلك…...
التكملة
مفتاح المغربي
الي دكتور احمد انني معك في كل تحليلاتك المنطقية واختلف معك بدون ضياع الود في مسالة الهروب من الواقع التي انت فيها. ما الفرق بينك وبين من يصارع الحياة بحلوها…...
التكملة
Ghoma
Herodotus may have meant the same thing that drove Don Quixote de La Mancha to wage a war against the windmills. Ignorant tribes had confused the disease with the remedy…...
التكملة
سعد الكوافي
انا مع الأخت نورية... فالذي حصل في ليبيا والذي يحصل في سوريا والعراق ودول الربيع العربي لا يمكن ان تكون ثورات بل هي فتن تاكل الأخضر واليابس. نعم راينا تدافع…...
التكملة
احمد ابراهيم الفقيه
ليس خطابي تدليسا يا من تسمي نفسها نورية حداد، وانما التدليس هو خطابك وخطاب امثالك ، من توابع العهد الانقلابي الابليسي، ولن يرضوا عن ثورة ازاحته وازاحت المعتوه الذي كان…...
التكملة
نورية حداد
لله ذرك يا ليبيا - مازال هناك من يعتقد ان ما حدث في فبراير هو ثورة - وحتى ممن يحسبون من المثقفين- راينا وكل الملاء رأى و مباشرة الغارات الجوية…...
التكملة
الجاسر المقدام
الحل هو ان يعود كل المنظرين والمثقفغين والنفعين وما يسمى بالمعارضة العميلة التي دمرت ليبيا بالناتو والمعارضة التي تدعي انها تناصر القدافي وهم كثر وموتواجداين في الغرب ايضا ويتاجروا بقضية…...
التكملة
تقّــــاز
مقال شامل جامع، سهلٌ ممتنعٌ ،يندر أن يماثل شفافيته مقال. شكرا للأديب الكاتب/ الدكتور أحمد إبراهيم الفقيه. كثير معك هم ممن يرهفون السمع لعل الأرض تنقل الى آذانهم وقع خطوات…...
التكملة
مراقب
لست معك يا سامي فتمثال الغزالة لابد ان يعود كما كان بعيره الطاهر النبيل لأننا اذا اخذنا بهذا المنطق سنفقد نصف تماثيل لبدة وصبراتة وشحات وللأستاذ د احمد كل الشكر…...
التكملة
احمد ابراهيم الفقيه
يلاحظ متابعو هذا الموقع ان حجم المقال هذه المرة يزيد عما عهدوه من مشاركاتي لان له وضعا خاصا، فقد كتبته بمبادرة من مدير تحرير صحيفة الحياة الكاتب والشاعر اللبناني المعروف…...
التكملة
مواطن
لا ادري لماذا أغفل السيد د ابراهيم الفقيه ذكرالقبائل الليبية التي اعلنت الحرب على رياح الجنوب رغم ان ابوالتاريخ هيرودوت ذكرها... انها قبايل النسامونيز والتي كانت تقطن المنطقة الممتدة حول…...
التكملة
سامي
اتفق مع حضرتك في كل ما كتبت...ما عدا عودة الصبية التي تغتسل عارية تحت النافورة..اتمنى الا تعود,وليس كل ما يفعله المتطرفون خطا بل احيانا ينبهون الناس الى ما غفلوا عنه...راجعوا…...
التكملة