د. احمد ابراهيم الفقيه: ليبيا: فوضى الاراء حول حكومة الوفاق 21/10/2015 23:00 د. احمد ابراهيم الفقيه: ليبيا: فوضى الاراء حول حكومة الوفاق
د. أحمد ابراهيم الفقيه بحث

السيدة موغيريني الممثلة العليا للسياسة الخارجية في الاتحاد الاوروبي تعرض خطة لانقاذ ليبيا ضمن قوى
دولية كثيرة اخرى تبدي الاستعداد لتقديم العون لحكومة الوفاق الوطني الجديدة في سياق اجماع دولي غير مسبوق.

قرابة نصف قرن من التجريف والتحريف والجفاف الثقافي والجمود السياسي، وحكم الاستبداد والقمع ، عاشتها النخب الليبية وعاشها الشعب بكامله، كان لابد ان تؤدي الى هذا المشهد الذي يكاد ان يكون مشهدا سيرياليا كابوسيا بجدارة وامتياز.

 وسط خرائب الفوضى والاحتراب، والخصومات السياسية والعسكرية ، والصراعات العشائرية والمناطقية والايديولوجية التي اوصلت ليبيا الى حالة من التشظي، فهناك الان خمس حكومات تتنازع السلطة فوق ترابها، هناك حكومة في طبرق، وهناك حكومة تنافسها، في طرابلس، وهناك حكومة ترفع الاعلام الداعشية السوداء في عاصمة المنطقة الوسطى سرت، وهناك شبه حكومة في الجنوب يؤلفها الطوارق، ويحاربها التبو الذين ينافسونهم بشبه حكومة  تنتمي اليهم،  وهناك وسطاء من اصلاء فزان، يدخلون لفض النزاع بين الحكومتين ويعتمدون لانفسهم مرجعية ثلثة تحميهم من الصراعات التي حولهم، وهناك فوق هؤلاء وأولئك، حكومات سرية مفيوزية، احداها تدير تهريب السلاح، وتدوير عشرين مليون قطعة منه موجودة خارج ايدي السلطات الشرعية، وحكومة اخرى تتاجر بقوارب الموت وتدير الهجرة غير الشرعية عبر الشواطيء الليبية، وهناك حكومة سرية مفيوزية ثالثة مكونة من عصابات تهريب المخدرات وسلع الكونتراباندا.

وسط هذه اللوحة السريالية الحافلة بالعبث والجريمة واللامعقول، تلوح بارقة امل للاصلاح وانهاء الفوضي، بعد عام من التفاوض والحوار، تقوده الامم المتحدة عن طريق بعثتها في ليبيا، برئاسة السيد برناردينو ليون، وتصل مجموعات الحوار الليبية التي مثلت كل اطراف الصراع في البلاد، وتعددت فيه المسارات العسكرية والسياسية والامنية والقبلية ومؤسسات المجتمع المدني وفرق الحكم المحلي، الى وثيقة للوفاق، تتضمن مجلس رئاسة لحكومة الوحدة الوطنية، قوامها رئيس مجلس وزراء وثلاثة نواب ووزرين تمت تسميتهم بعد اخذ راي كل اطراف الصراع والمكونات، على ان تترك لهذه اللجنة استكمال تأليف الحكومة التي تنهي تعدد الحكومات التي تتنازع السلطة فوق التراب الليبي، وتعود الى ممارسة عملها في العاصمة المخطوفة التي تسيطر عليها الميليشيات، وتبسط نفوذها على انحاء البلاد، لتضع بذلك حدا للتشظي الذي يعاني منه الحكم في الوقت الراهن، وتحقق تنفيذ القانون، بدعم دولي ومناصرة من كل قوى العالم، التي تعهدت بتقديم عونها لهذه الحكومة في تطهير البلاد من العصابات المفيوزية، وعناصر الارهاب الداعشي، وحماية حدود البلاد المنتهكة من اهل التهريب والمتاجرين بالهجرة غير الشرعية، ووضع حد للانهيار الامني، وانتشار جرائم القتل والخطف والسطو المسلح على الممتلكات الخاصة والعامة، وتسليح الجيش الليبي، وتمكينه من قهر الارهاب، وهو اجماع دولي  لا سابق له حول مخرجات الحوار الليبي، ولم يتوفر لاية قضية من القضايا المماثلة في المنطقة العربية في الازمنة الراهنة، ومناصرة لهذه الحكومة تاتي من شرق العالم وغربه، ومن كل القوى الاقليمية، على اختلاف توجهاتها وسياساتها، ودعم مفتوح لليبيا من كل المؤسسات الدولية، السياسية والاقتصادية، التي سارعت تبدي استعدادها لانتشال ليبيا من عثرتها، واخراجها من النفق الذي اوجدت نفسها فيه، بعد  انجاز ثورتها على الطغيان.

لم يكن غريبا على مثل هذه الاتفاق ان يلقى احتجاجا من احدى المدن، لان اهلها نظروا اليه نظرة جهوية، لا تغلب النظرة الوطنية الشاملة، ولكن هناك حراكا سياسيا وطنيا كان حاضرا ومساهما في هذه المفاوضات، يستطيع شرح هذه المخرجات لاهل البلاد، بل ويمكن ان يتولى اقتراح اضافات ترضي هذا الجانب او ذاك، طالما ان هنا اسسا ثابتة هي التي يقوم عليها الاتفاق،  فلا باس مثلا من اضافة نائب لرئيس الوزراء رابع او خامس، لتامين حالة من الرضا لدى مناطق ليبيا كلها، كذلك فان هناك فيما بعد عشرين او ثلاثين حقيبة وزارية، يمكن توزيعها بطريقة المحاصصة، او باية طريقة تضمن اسكات النعرات الجهوية والقبلية والعشائرية، فهي في النهاية ليست حكومة استمرار ورسم سياسات، وانما حكومة ازمة، وحكومة مؤقته، لانهاء حالة الاحتراب والفوضى، وضمان حالة من الاستقرار والامن لاجراء الاستفتاء على الدستور وانتخابات برلمانية ورئاسية، تعبر بالبلاد من المرحلة الانتقالية، الى مرحلة تأسيس الدولة.

ثلاث خطوات اذا تم انجازها  في عام واحد، ضمن الشعب بناء دولته ومباشرة حياته الطبيعية والاستفادة من موارد بلاده والانتفاع بما تزخر به من خيرات كفيلة بخلق حالة انتعاش لدى كل اهل البلاد،والانتقال بهم من العوز والفاقة والتشرد، الى الاستقرار والامان المعيشي والاقتصادي،  ويمكن الاسراع بوتيرة الانتخابات خلال ستة اشهر فقط، كما اقترح السيد الدباشي المندوب الليبي في الامم المتحدة، فيكون هذا هو كل عمر الحكومة التي ينشب حولها الان الخلاف، وسيتواصل الصراع الذي صار عمره الان خمسة اعوام، الى امد غير محدود، اذا لم يعرف اهل الحراك السياسي قيمة الفرصة التاريخية المتاحة، وبقوا مثل سكان بيزنطة عند حصار الجيش العثماني لها بقيادة محمد الفاتح، يناقشون جنس الملائكة هل هم ذكور او اناث، وكم ملاك يقف على راس الدبوس، كما يناقش اهل الحراك السياسي الليبي هل هي المسودة الرابعة او الثالثة التي تحظى بالقبول، حتى يتم تهديم الاسوار، وغزو المدينة، وهم في ضلالهم سادرون، وفي فوضى الاراء والافكار والنقاشات البيزنطية غارقون، كما حصل لتلك المدينة واهلها الذين نزلت بها الكوارث والويلات جزاء غفلتهم وذهبت ريحهم الى الابد.

* ينشر بالتزامن مع صحيفة العرب.

د. أحمد ابراهيم الفقيه

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
بسم
اشكر الدكتور الفقيه على هذا العرض المنطقي والصريح ولكني اشك أن يلاقي تفهما لان من يستمع ويقرااقلية والشعب مشغول بمشاكله الحياتية وقد لا يعلم انه مقبل على كارثة لم تعرفها…...
التكملة
المهدى بشير
ومع ذلك تبقى اكبر اهانه الى الليبيين عامه وآهل الجنوب خاصة ان يتم ترشيح موسى الكونى الى منصب نآئب الرئيس رغم ما تزخر به المنطقه الجنوبيه من قدرات وعناصر مؤهله…...
التكملة
تصحيح فقط
الى مواطن ليبي يبدو انك لا تعرف بنغازي, ليس صحيحا ان اغلب اعضاء التيار الفدرالي هم من ابناء بنغازي ولو كان الامر كذلك لاصبحت الفدرالية واقع ملموسااليوم بعد 5 سنوات…...
التكملة
مجرد رأي
بالرغم انني اتفق معك في الموافقة على المقترح والحكومة المقترحتان من الامم المتحدة وأن ما جرى تحت قبة البرلمان مسخرة معيبة في حق ليبيا, الا انني اختلف معك بأن بنغازي…...
التكملة
مواطن ليبي
الى السياسي .... بنغازي .... لا تغالط في الحقايق فمجلس النواب وقع على ما يجعله ( دكتاتورا متوجا على ليبيا) وهي المسودة الرابعة فقط.... وأما مقترح السيد ليون حول حكومة…...
التكملة
السياسي بنغازي
ان بنغازي التي اشرت اليها لن تري الوطن من منظار جهوي و ترفض الرشوه السياسيه بالاضافه نائب رابع يمثلها و ماا تفق عليه رئيس وزراء و نائبين فقط ممثلين علي…...
التكملة