سالم أبوظهير: أبواق النحاس.. 23/10/2015 14:58 سالم أبوظهير: أبواق النحاس..
سالم أبوظهير بحث

في عالم الموسيقى، الآلات جميلة الشكل،رقيقة الأوتار، تصدر في الغالب أنغاماً سماعها يترك أثراً طيبا في النفس ويريحها من التعب،بل والإستماع لهذه الانغام يقلل من فرص الإجهاد والضغط والتوثر، ويزيد في الإنتاجية ويحفز على الإبداع وعلى أبتكار أفكاراً جديدة وتطويرها، ومداومة الإستماع لهذه الأنغام االموسيقية الصادرة من هذه الآلات الجميلة في بداية صباح كل يوم قد يزيد من النشاط، ويشجع على بذل مزيدا من الجهد، وسماعها في نهاية كل يوم أيضا يساعد على الإسترخاء والتمتع بنوم هادي ومريح. أما الآلات الغليظة التقيلة الوزن، متعددة الأشكال والألوان المصنوعة من النحاس، فهي في الغالب لاتلق أنغامها الصادرة منها ترحيبا ووداً من سامعيها، فصوتها مزعج لايجلب الراحة ولايحفز للعمل المتقن، ولايساعد على النوم الهادي المريح.

تقريبا ينطبق هذا القياس على عالم الإعلام بمؤسساته المختلفة والمتنوعة، وخاصة مايبث منها معتمداً على تقنيات الصوت أو الصورة، أو الصوت الصورة معا،سواء في القنوات الإذاعية المسموعة، أو قنوات التلفزيون  المرئية، أو عبر شبكة الإنترنت العالمية. فالإعلامي المحترم هو الذي يقدم خدمتة الإعلامية، وخطابه بشكل راقي، وبإسلوب هادي دون مبالغة ولا أسفاف، يحرص على أحترام ذوق المتلقي وثقافته، فيحترمه المتلقي وتنشا علاقة متينة بين المؤسسة الإعلامية المحترمة وبين المواطن الذي يسعى لللاستفادة من المعلومة التي يفترض انها تقدم إليه وتصلة دون مواربة أو تضليل أو تشويه، يقوم به المرسل لتحقيق فائدة من أي نوع عندها سيحقق الإعلامي رسالته، وسوف يحرص بكل تأكيد المواطن المستقبل للرسالة على الإستماع والمشاهدة والاستمتاع بما يقدمه الإعلامي المحترم في بداية يومه وأثناء تأدية عمله وحتى قبل أن ينام، فتكون بذلك هذه المؤسسة الإعلامية شبيهة بألة موسيقية جميلة تصدر أنغاما رائعة.

أما مؤسسات الإعلام التافهه المؤدلجة والمسيسة والمدفوع لها مسبقا، والتي همها مصلحتها في الأساس، أو مصلحة من يدفع لها ويصرف عليها، فلا تلتفت لميثاق شرف المهنة الإعلامية، ولا لتوابثها الأخلاقية المتعارف عليها، فهمها الأول أن تصل الرسالة للمستقبل كما يريد صاحب المؤسسة الإنتهازي سواء كان  فردا  أو مجموعة أفراد أو حكومة أو مجموعة حكومات، وهذا الهدف في الغالب هو أن تصل الرسالة، وفقا لما يحمي مصالحهم  ويخدم طموحاتهم، فلا يهمهم جودة المحتوى، ولا صدق المضمون، وتدريجيا تتحول هذه المؤسسة الإعلامية إلى بوق نحاسي ضخم، مطلى بألوان زاهية جذابة، تجذب المتلقي اليها، ويختار صاحب هذا البوق لتمرير رسالته وسياسته وأهدافه بما يحقق مصلحته الوحيدة لاغير، أسماً فخما رناناً لبوقه محشوا بمزايدات بحب الوطن او حب الأرض او حب الدين او حتى حب الحب، وبعدها من السهل وبثمن رخيص إستجلاب وتسخير جيش من النافخين والنافخات القادرين على النفخ بشكل محترف ومزعج وبدون توقف، طالما الدفع متواصل ليصل نعيقهم للمواطن الغلبان، الذي أنهكه التعب وصار صعبا عليه التمييز بين النغمة الحقيقية (الصح) وبين النغمة المغشوشة النشاز.!!

يحدث هذا في معظم دول العالم تقريبا، ففي بعض الدول الراسمالية والتي تهيمن شركات عالمية متخصصة في تسويق الاعلام على الخطاب الإعلامي، وتصنع منه قوة تجابه بها قوة المال وقوة السلاح أيضا، فتشتغل بإحتراف من أجل تضليل المتلقي ليستهلك البضاعة التي تريد منه أستهلاكها مستخدمة في ذلك كافة الوسائل المشروعة واللامشروعة، مستندة على مبدأ حرية التعبير لتفرغه من محتواه،وتكيفه بما يتماشى مع مصالحها.

أما في الدول المتخلفة والنامية فإن خطاب قنوات الأبواق النحاسية، تتضح معالمه بشكل مؤذي أكثر للمتلقي، وبه كم هائل من الإسفاف والتجهيل تختفي معه كافة أشكال الخطاب الإعلامي الأخرى، فيسيطر بوق النحاس على المشهد برمته، مستعينا بقوة السلطة السياسية ليخدمها ويطيل فترة حكمها ولو على حساب المنطق والقوانين، فيستمر النافخون في النعيق تمجيداً وتهليلاً وتطبيلاً وتزميراً، بل ويقترب في بعض الأحيان هذا الخطاب الممجوج من تاليه لرموز السلطة السياسية في البلد المنكوب، وحقيقة المشكلة تكمن في أنه وطالما أن هذه الرموز تسيطر على البلاد وتفرض سيطرتها بقوة المال المنهوب والسلاح، فلن يتعطل هذا البوق النحاسي ولن يصدأ  وسيستمر النفخ...!!!

سالم أبوظهير

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments

لا تعليقات على هذا الموضوع