المهدى يوسف كاجيجى: سعادة السفير الليبى!! 29/10/2015 20:53 المهدى يوسف كاجيجى: سعادة السفير الليبى!!
المهدي يوسف كاجيجي بحث

كيف كنا؟!!

فى نهاية الستينيات من القرن الماضى، تلقيت دعوة من غرفة التجارة فى طرابلس، لمرافقة وفد تجارى ليبى يقوم بزيارة  الباكستان، خلال تلك الفترة كانت دولة بنغلاديش الحالية جزء من الباكستان ويطلق عليها باكستان الشرقية، وضمن ما كتبت على صفحتى فى جريدتنا الحرية الصادرة فى 16مايو 1968 ملاحظات سريعة:

- السيد ادريس عبدالله، سفيرنا فى الباكستان.. اكتشفت. انه يعرف اللغة الاردوية.. والاوردو هى اللهجة السائدة فى باكستان الغربية.. بينما البنغالية هى اللغة السائدة فى باكستان الغربية.. للمعلومية.. ادريس عبدالله يجيد الانجليزية والالمانية والايطالية واليونانية.

- أعضاء السفارة، فى الباكستان عام 1968 يمثلون اصغر جالية ليبية فى اسيا، السفير ادريس عبدالله، والسيد عاشور الامام، السكرتير الثانى، وزوجته السيدة الليبية الوحيدة، وطفلتيه جيهان "سنتين" وفيروز "سنة"، ومحمد سعود المسئول المالى، وفتحى بالة عن اعمال الادارة.

- التواجد الليبى فى باكستان خلال تلك الفترة فى العاصمة الباكستانية الجديدة اسلام أباد "مدينة السلام" كان شبه معدوم، ويتندر أعضاء السفارة فيما بينهم, بحكاية المواطن الذى احتاج لتجديد جواز سفره اثناء مروره لمدينة كراتشى، وعند اتصاله بالسفارة بإسلام أباد، تطاير أعضاء السفارة فرحا ووجهوا له دعوة جماعية بزيارتهم.. "وتربح.. ومن فضلك.. غير خلينا نشموا عليك الرائحة الطيبة.. ريحة الوطن الغالى".

مؤخرا وفى لقاء جمعنا فى طرابلس مع  الصديق الدبلوماسى الاستاذ عاشور الامام، أضاف لى.. معلومة جديدة.. وهو انه وعندما تم عرض ما كتبته فى صحيفة الحرية، أشر السفير ادريس عبدالله - رحمه الله - بخط احمر تحت كلمة انه يعرف اللغة الاردوية، وكتب "هذه كذبة كبيرة جدا" على اعتبار انه لا يجيدها مثل اللغات الاخرى التى تم ذكرها (وقد قام مشكورا باهدائى صورة منها) ووصف الاستاذ عاشور السفير ادريس عبدالله بانه موسوعة فى اللغة الانجليزية، وكان يصر على تعليمها لاعضاء السفارة، فى دروس.. شبه يومية، ويخلق التنافس فيما بينهم على تعلم مفرداتها.

كان العمل فى الخارجية الليبية وقتها متاحا للجميع، ولكن كانت هناك شروط صارمة للقبول، منها ان يكون المتقدم حاصلا على مؤهل جامعى فى الاقتصاد او الادارة او القانون، ويجب ان يجتاز امتحانات المقابلة الشخصية، واللغة الانجليزية، والتاريخ، وإذا كان متزوجا، تقديم شهادة إثبات الجنسية الليبية للزوجة،بعدها يتم تعيين الناجح فى وظيفة ملحق  وهى اصغر درجات السلك،  ليتدرج بعدها الى سكرتير ثالث ثم ثان وأول ومستشار ليصل الى مرتبة وزير مفوض ثم سفيرا، وكثير ما يعين الوزراء المفوضين والمستشارين ايضا سفراء، كما يتم تعيين نسبة ضئيلة من خارج السلك الدبلوماسى، قد يكونوا من الوزراء، او كبار موظفى الدولة من الشخصيات الوطنية، المشهود لها بالكفاءة، والتاريخ السياسى من أمثال السيد محمود المنتصر، وخليل القلال، وقدرى الأطرش، والطاهر القره مانلى، والطاهر بكير، الخ القائمة من هذه  الكوكبة من الرجال، وبالطبع هناك سفراء منً الدبلوماسيين المحترفين من أمثال المرحوم منصور رشيد الكيخيا، وقدرى الأطرش وغيرهم.

الجواز الأحمر

يقول السيد سيف النصر عبدالجليل، رئيس المجلس التنفيذى لولاية فزان، فى حقبة المملكة الليبية المتحدة: كلفت بحمل رسالة للرئيس جمال عبدالناصر، من قبل مولانا الملك ادريس، فخاطبت الولاية وزارة الخارجية،لاستصدار جواز سفر دبلوماسى لمهمة واحدة، وجاء الرد من قبل السيد وهبى البورى، وزير الخارجية وقتها - ناسف على عدم التلبية لمخالفة ما طلب اللوائح والقوانين المعمول بها -.فالجواز الدبلوماسى الليبى الأحمر، كان مقصورا فقط على الدبلوماسيين بوزارة الخارجية، او وزراء الدولة، والجواز الأخضر، يصرف للموظفين الإداريين والفنيين..ويتم إرجاع  جواز السفر الدبلوماسى الى إدارة المراسم بوزارة الخارجية اذا انتهت مهمة المبعوث، يقال ان جواز السفر الدبلوماسي الليبي الان اصبح فى متناول الجميع، وخاصة اخوتنا الاعزاء من أعضاء الميليشيات، والوزراء السابقين، كما لازال يستخدمه كثير من الأعضاء السابقين فى المجلس الانتقالى طيب الذكر والمؤتمر الوطنى والبرلمان... الى اخر قائمة المنتفعين.

وكيف أصبحنا؟!!

جاء نظام سبتمبر، وطرح شعار "الولاء قبل الخبرة"، وتحولت السفارات الى مكاتب شعبية، يتم الاستيلاء عليها بطريق الزحف،من قبل ما يسمى باللجان الثورية، فتحولت السفارات الى اوكار لملاحقة معارضى النظام، وتصفيتهم جسديا، وكانت بداية النهاية، للدبلوماسية الليبية، وسقط النظام! فبدلا من الإصلاح ازداد الطين بلة، وتحولت الخارجية الى مغنم وتكايا للمحاسيب.. مثال على ذلك انه عندما اقترب المجلس الانتقالى من نهاية ولايته، ارسل بقائمة تحتوى على اكثر من خمسة عشر من أعضائه، مقترحا تعيينهم سفراء، وتوالت التعيينات المفروضة بالقوة من بعض المليشيات المسلحة، والتنظيمات الحزبية، وعندما وصل المؤتمر الوطنى الى الحكم اصدر قوائمه،  ونعتقد ان مجلس النواب يقوم الان بإعداد القائمة الخاصة به قبل الرحيل، وبدلا ان تقوم الخارجية بدورها الأساسى لتمثيل الدولة والشعب الليبى، شملها الانقسام، الذى شمل كل نواحى الحياة فى ليبيا، المنقسمة مابين مؤتمر طرابلس،وبرلمان طبرق، وانشطرت السفارات الليبية فى الخارج فى نفس الدولة المضيفة الى سفارتين احدهما شرقية الاخرى غربية والأمثلة على ذلك تجدونها فى تركيا وإيطاليا مالطا وروسيا، وليس ما حدث فى القاهرة عنا ببعيد عندما انشطرت سفارتنا الى السفارة الليبية فرع الزمالك، والسفارة الليبية فرع  الدقى.. وشر البلية ما يضحك.

المحزن فى كل هذا هو ان حالة الفوضى التى تمر بها وزارة الخارجية الليبية وسفاراتنا فى الخارج تفاقمت، فتجد سفراء يرفضون أوامر بالنقل او بانتهاء مهامهم يتقلبون فى ولائهم مابين البرلمان والمؤتمر، ويستأجرون بلطجية لمساعدتهم على البقاء، تضخم الجهاز وتورم، ويقال ان ميزانية المرتبات للعاملين فى الخارجية تزيد على 11000000 احد عشر مليون دولار شهريا، لاعداد مهولة من الأشخاص لا عمل لها، اضافة الى التعيينات من قبل الوزارات الاخرى،بما يسمى بالملحقيات الثقافية والصحية والعسكرية والعمالية والتجارية، حتى انه يقال ان لدينا ملحقا صحيا فى العاصمة الصومالية مقديشو الخ.

قليل من الخجل

انتقلت حالة التشرذم والفوضى التى تعيشها الادارة الليبية فى الداخل الى سفاراتنا فى الخارج، وأصبح المشهد يدعو الى الخجل، وتحولت السفارات الى إقطاعيات خاصة، وضاع المواطن التعيس بين الشلل والتقسيم الجهوى والقبلى،بينما الحل بسيط.. يستلزم فقط العودة الى تطبيق قانون السلك الدبلوماسى ولوائحه، والعودة الى الكفاءات الدبلوماسية المحترفة التى تم تهًميشها، ومن غير المعقول ان يتحول ميكانيكي السيارات الى طبيب جراح والعكس، السفارة هى صورتكم فى الخارج.. فاحسنوا الاختيار.

المهدى يوسف كاجيجى


 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
سالم
لاحول ولا قوة إلا بالله ياعليك وفاء واصالة وبيتية من الوزير المعني واللهم ارنا فيه عجائب قدرتك لعقابه في الدنيا قبل الاخرة وخفف معاناة هذه الصبية واهلها....
التكملة
شريف
ازيدكم علي قصيدة الخارجية بيتاً ، ذكر لي مواطن ليبي ، بلغ آلستين عاماً ، انه ذهب الي احدي سفارتنا ايام كانت مكاتب شعبيه ، لانه احتاج لرؤية السفير المحترم…...
التكملة
دبلوماسي نازح
اؤكد على ماجاء في تعليق السيد دبلوماسي متقاعد فتشخيصه دقيق للوضع الحالي واضيف ان من اكبر اسباب تفكك هذا القطاع الهام والذي توليه كافة الدول اهتماما خاصا هو التدخل العميق…...
التكملة
محفوظ العربى
أريد أن أخاطب وزير الخارجيةالليبى فهل هناك من يرشدنى إليه..هل هو فى حكومة طرابلس او فى حكومة طبرق او فى حكومة البيضاء او خارج النطاق ... أريد أن أقول له…...
التكملة
قعر الخابية
اصبحت السفارات الليبية بالخارج وبالأخص في مصر مادة دسمة للكتاب المسرحين لكتابة نص كوميدي من الواقع فلا داعي إلى الخيال وعصر الدماغ لتشكيل موقف كوميدي فالقوالب جاهزة على ارض الواقع…...
التكملة
اسماء
يجب علي الخارجيه ان لا ترسل اي سفير الي وهو يكون متعلم ويحمل الشهاده التي تليق بالسفير ويجيد اللغه الانجليزيه ويكون سنه مناسب كسفير الذي نراه اليوم مهزله سفراء من…...
التكملة
يونس احمد
علاء بن محمود ضحكتنا بكلامك هذا والله شيء ياسف وشوفوا يا ناس بين العهد الملكي والعهد البدوي معمر السفراء في عهد الملك منظمين ولباس ولياقه وادب واخلاق بمعني الكلمه فهم…...
التكملة
محمود الفيتوري
أحييك أستاذ المهدي كاجيجي على هذا المقال الرائع الذي وضعت فيه إصبعك على جرح (السلك الدبلوماسي) العميق .. وما خفي كان أعظم وأفظع وأدهى وأمر .. وإذا قارنا بين سفاراتنا…...
التكملة
مواطن شريف
هذه الطفلة التى ترون صورتها على صحيفة الحرية هى ابنة الدبلوماسى المحترف عاشور الامام كانت شعلة من الذكاء والنشاط والتفوق العلمى ، فنانة تشكيلة أقامت المعارض الدعائية لبلادها فى الخارج…...
التكملة
العوامي
شكرا فقد تعرضت في عجالة للهم الوطني الدبلوماسي واذكرك ببدعة تعيين سفيرات من عضوات اللجان والراهبات و..وبعضهن من العائلات البرجوازية ذات الدم الازرق ودورهن الحقيقي والذي ليس له علاقة بالعمل…...
التكملة
دبلوماسي متقاعد
تحياتي لك استاذ المهدي الكاجبجي وعلى طرقك لهذا الموضوع الحساس الذي اصبح (موضوع كوميدي من جراء ما يحدث في السفارات الليبية في شرق وغرب العالم يتفرج عليه من في هذا…...
التكملة
منعم شريف
فى نهاية الستينيات من القرن الماضى، تلقيت دعوة من غرفة التجارة فى طرابلس، لمرافقة وفد تجارى ليبى يقوم بزيارة الباكستان، خلال تلك الفترة كانت دولة بنغلاديش الحالية جزء من الباكستان…...
التكملة
عبدالحق عبدالجبار
ما علي الرسول الا البلاغ... قالك فيه وصفة طبية ترجع هاديك الايام الهنية والسفارات السعيدة لخدمة الوطن و أهليته... ولكن هذه الوصفة لا يوجد فيها مادة ليونيه لأنة علية عصية…...
التكملة
ابن بنغازى
بارك اللة فيك استاذ مهدى على هذا السرد التاريخى ايام كانت دولة وكانت وزارة الخارجية تماثل وزارات أوروبا الان حيث كل السفراء يتم تعيينهم وفق أسس وقانون ومنترحم فى هذا…...
التكملة
سعد الورشفانى
عدد موظفى السفارة الليبية فى باكستان عدد محدود كما ذكر الاستاذ الكاجيجى لا يتجاوز الاربعة السفيرادريس عبد الله رحمه الله ومساعده الدبلوماسى المعروف السيد الإمام وادارى واحد ومحاسب وكانت كما…...
التكملة
عبدالحق عبدالجبار
نمودج من سفراء ليبيا في عهد الخارجية وكذلك في عهد الداخلية والمالية.... وبعدها يستاشيروه الدول النامية... والأستاذ عمر الباروني الذي كان واحدا من أبرز أساتذة الجيل بعد الحرب العالمية الثانية…...
التكملة
علاء بن محمود
شكرا للسيد المهدي كاجيجي..الحقيقة ان أيام المملكة الليبية كان الملك ادريس رحمه الله حريص علي ان يكون سفرائه من اعيان البلاد ومن الاسر العريقة المعروفة لانه كان مؤمن ايمانا مطلقا…...
التكملة
عبدالحق عبدالجبار
الاستاذ المهدي الكاجيجي حياك الله في يوم الجمعه المباركة واسعد صباحك... اخي المهدي... بالامس البعيد كانت الخارجية. ام في الامس القريب واليوم الحجرية الغجرية.... في الامس البعيد.. كانت تمثل البلاد…...
التكملة
عبدالحميد
الف شكر على هذه الخاطرة اللطيفة للكاتب الكريم... فعلا كيف كنا... وكيف أصبحنا...
التكملة
د أحمد مسعود
صحيفة الحرية ايام ان كانت الصحافة (فعلا صحافة) كانت تتصدر قائمة الصحف الليبية من حيث النشاط والتحرك الاعلامى والمصداقية فى نقل الحدث... الموضوع شيق وابعدنا عن الاجواء السياسية الكئيبة.. وياريت…...
التكملة
فتحية اشتيوي
بل الوضع اسواء مما دكرت كلما حاولت ان اكتب عن هدا الموضوع اصيب بالدوار ويكاد يغمي علي من هول ما اريد ان اصفح عما يدور فى تلك الاوكار صدقني انها…...
التكملة
د. محمد فرج دغيم
السفير ادريس عبد الله كان ضابطا في الجيش قبل أن يحال إلي الخارجية ويعين سفيرا.ارسل في سنة 1951 وزميله الضابط حسن التومي إلي بريطانيا لدورة تدريبية فأتقنا اللغة الإنجليزية وقد…...
التكملة
سامر عبد الرحمن
الحمد لله أنه يوجد أمثال الاستاذ المهدي بين ظهرانينا، الاعداد المتزايدة من الصحف الالكترونية لم تجد علينا بصحفيين وكتاب يجيدون الكتابة والقراءة واختيار المواضيع. أحيانا أقرأ مقالة أو خبرا ولا…...
التكملة
أبو فارس
هل يستقيم الظل والعود اعوج!!!!...
التكملة