جمعة أحمد عتيقة: عن علي مصطفى المصراتي أحدثكم 3/11/2015 22:23 جمعة أحمد عتيقة: عن علي مصطفى المصراتي أحدثكم
جمعة عتيقة بحث

عن علي مصطفى المصراتي أحدثكم
 


الحديث عن مسيرة ومسار استاذنا الكبير علي مصطفى المصراتي - أطال الله عمره - حديث مضمخ بعبق التاريخ ومواقف النضال وأزاهير الأدب ومعاريج السياسة.. عرفته يافعاً كعلمٍ من أعلام مدينة طرابلس لا يشاهَد إلا راجلاً متأبطاً كتبه تتقافز خطواته بخفة ورشاقة.. كنت أرقبه وأنا أتحسس طريقي في درب المعرفة عند مشارف بواكير الوعي.. كنت أتعمد المرور أمام قهوة (عبدالله) أمام (فندق الحصايري في شارع الوادي) لأتأمله وهو وينفث دخان (الأرجيلة) ويتصفح مطبوعة من المطبوعات التي تعمر بها مائدته.. وكنت أتابعه في الحياة العامة وهويضع بصماته المميزة على وقائع الشأن العام.. نائباً في البرلمان (عن مدينة طرابلس) صادحاً بصوت الناس رافضاً لوجود القواعد الأجنبية.. مواصلاً ندائه الذي جاء به من مصر صحبة الزعيم الوطني (بشير السعداوي 1948) [لبيك وطني].. ثم صاحب جريدة الشعب التي كان شعارها (إرادة الشعب من إرادة الله)  وصاحب مكتبة تزرع حبات البذار في الثقافة الوطنية.. وبإختصار كان علي المصراتي (أمة وحده) ورجلاً بحجم الوطن.

وفي مرحلة متقدمة اقتربت منه كثيراً وجالسته ونهلتُ من نبعه الفياض.. كانت صحبة (الشيخ علي) متعة في حدّ ذاتها.. فيها المعلومة المفيدة الموثقة.. والفكرة التي صقلتها تجربة الأيام والسنون.. والقفشة الهادفة التي تحوي معانٍ مختزلة مركزة موشاة بخفة الظل وطيب المعشر.. لا يعرف الإدعاء ولا التفاخر يجلله التواضع والثقة في النفس.

كنت أترقب لقائي به ( شبه اليومي) بشغف ولهفة لأجد نفسي بين دفتي كتاب.. أوبين سطور مقال.. أووسط أبيات قصيدة.. كنت أستمع مستغرقاً وهويحفزني على الحديث.. ويطريني بما لا أستحق (مشجعاً وراعياً (… بعيداً عن الإستاذية المتعالية.. يقذفني بين الحين والآخر بقفشة أومزحة محببة. أذكر أنني حملت إليه كتاباً من تأليفي (أراء ومواقف) ونسيت أن أكتب إهداءاً على الكتاب.. فرمقني بنظرة باسمة وقال ((أكتب لي إهداء حتى لا أُتهم بشرائه!!!)).. وأذكر أن حفلاً أُقيم لتكريمه من قبل وزارة الثقافة (2006) في قاعة الرقابة الإدارية وألقيتُ فيه قصيدة بعنوان (لبّيك وطني) مطلعها: (أيكرمونك أيها التكريم... ماذا يضيف الحفل والتوسيم!). وحين إلتقيته بعدها قال ضاحكاً ((إنت بتوديني في داهية!!)).

لقد كان رجلاً بحجم الوطن لا يعرف الجهوية ولا التعصب المقيت.. أذكر أن مسؤولاً في النظام السابق من مدينة مصراتة زاره في بيته في الفترة التي إبتدع فيها النظام بدعة ضالة مضلّة - بإنشاء روابط شبابية لشباب المناطق المختلفة داخل مدينة طرابلس - في محاولة لا تخفى على فطنة القارئ أهدافها ومراميها.. وعرض هذا المسؤول على الشيخ علي دعم فكرة إنشاء (رابطة شباب مصراتة في طرابلس) غضب الشيخ وأجاب المسؤول بنبرة حاسمة ((طرابلس أنتخبتني في البرلمان نائباً عنها وأنا المرشح ضد أحد أبنائها.. ما هذا؟ إذا كان لديكم شباباً يريدون إنشاء رابطة لهم فلينشؤوها في مصراتة وفي مناطقهم)) وهكذا كان لموقفه أثراً حاسماً في إجهاض الفكرة ولم تنشأ الرابطة.. في الوقت الذي إنتصبت فيه يافطات هذه الروابط في مختلف أنحاء طرابلس وخصصت لها أموال طائلة لتجهيز المقرات وشراء السيارات والذمم.. فما أحوجنا لمثل هذا الصوت الوطني اليوم وقد إستباح البعض حتى أملاك الناس الخاصة في طرابلس..!!

هذه شذرات من نفح الذاكرة عن علي مصطفى المصراتي الذي لا يكاد يعرف هذا الجيل حتى إسمه فضلاً عن إطلاعهم على خزائن عطائه.. هدّته السنون فإنسحب لا يكاد يغادر بيته في (شارع الصريم بطرابلس) ولم يعد يسأل عنه إلا قليل ممن لا يزال الوفاء عالقاً باعطافهم.. خاصة وسط هذا “المولد” الذي غاب أصحابه وصار ميسمه وطابعه الإدعاء والتزييف.. وتحوّل فيه الوطن عند البعض الى شعارات جوفاء بائسة.. لا تزرع ثمراً ولا تنبت حباً ولكنها قد تشبع نهماً ولا تنير عقلاً.. كان إستاذنا الجليل يردد قول (الشيخ أحمد الزروق) ((نحن قوم لا يفوح مسكنا إلّا من تحت الأرض)).. وأرجومن الله ألا يخيب ظنه.. فالأرض التي بللتها (دماء الإخوة) المتقاتلين لا تفوح منها رائحة المسك.. أمدّ الله في عمره…

جمعة أحمد عتيقة
3/11/2015

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
عبدالعزيز محمد شبش
شكرا أستاذ جمعة عتيقة : و لكن هذا لا يكفى في حق عظماء ليبيا و ليبيا , اتمنى عليك و أمثالك ممن لهم القدرة و تسعفهم الذاكرة للاسراع في تدوين…...
التكملة
د.لجين المسلاتي
صحيح من ينصف الادباء الذين اثروا بانتاجهم وكتبهم الادبية والفكرية الثقافية المكتبة الليبية هل تعلموا ان هناك عشرات المخطوطات لكبار الادباء والكتاب من امثال الاستاذ يوسف القويري والدكتور ابوالعلاء الزوي…...
التكملة
الفوال
هذا الرجل العملاق اصبح عملاقا لانه ولد وترعرع خارج ليبيا انه ابن مصر والثقافة المصرية لهذا هو عملاق لوكان من مواليد هذا البلاد ما كان هناك على المصراتي والغريب كل…...
التكملة
احمد زعبيه
أكيد الأستاد علي مصطفى المصراتي أثرى المكتبة الليبيه بمساهماته الأدبية الكثيره لكن الحظ لم يحالف الأستاد علي كثيرا خاصة في المجال السياسي حيث انه كان من الأشخاص المحسوبين على المعارضة…...
التكملة
طرابلسي الهوى
في الخامسة الابتدائي كان لي اول قراءة لأستاذنا وأديب ليبيا الكبير علي مصطفى المصراتي في كتابه (جحا في ليبيا) سنة 1958م والذي تناول فيه شخصية حجا من خلال الثراث الليبي…...
التكملة
بسم
الاستاذ الكبير على مصطفى المصراتي اطال الله في عمره من الاعلام الليبية في تاريخ ليبيا ولا بد من نشر سيرته للاجيال الليبية بعد ثورة 17 فبراير ليكون نبراسا ومثالا يقتدى…...
التكملة
محمد سعيد الحصاءري
شكرًا أستاذ جمعة على هذه المعلومان القيمة لأستاذ بحجم علي المصراتي هو فعلا يطلق عليه المناضل والكاتب والأديب والوطني قال يوما أرجو ان لقبي لا يحسب علي انني متعصب لأنني…...
التكملة
السنفاز
الاستاذ العملاق على مصطفى من اغزر ادباء ليبيا انتاجا و قد خاض في جميع مجالات الادب و الفلسفة و التاريخ و السير الذاتية . تحية صادقة لهذا العلم رمز العطاء…...
التكملة
احمد
قرأت للاستاذ على كتاب الجنرال في محطة فكتوريا وقد نقلت الى الانجليزية ترجمها الدكتور سعدون... اعجبت الكثير من الاجانب وعبروا عن براعة الكاتب الذي لم يأخد حقه.... تحياتي للدكتور علي....
التكملة
عبدالهادي
تساءل..للأستاذ جمعة... فالأرض التي بللتها (دماء الإخوة) المتقاتلين لا تفوح منها رائحة المسك... ام تُكتب... لتفوح منها رائحة المسك.. (لام التأكيد).. شكراً على وفائك للأستاذ علي مصطفى المصراتي..وتذكيرنا به كاتب وكأنسان....
التكملة
طه الليبي
شكرا على هذا المقال...بارك الله في عمر الاستاذ المصراتي...
التكملة