عزة كامل المقهور: قرن الفلفل 24/11/2015 20:59 عزة كامل المقهور: قرن الفلفل
عزة كامل المقهور بحث

"قرن الفلفل"

(قصة قصيرة... إلى شباب ليبيا المغرر بهم في حروب بائسة...)

حمراء... مشدودة.. معقوفة.. منتفخة.. تتدلى من شجيرات قصيرة ووهنة السيقان.. قرون الفلفل أكبر من شجيراته، ما أن تضع يدك لقطافها حتى تتساقط بسهولة. "الفلفل الحار ياعيلة... المليح انقض.. ياماشي قول للجاي"، "زود تعال فلفل وحار.. مشيط ونار".. "فلفل حار.. والغدي ع النار.. زود ياكمالة"...."حار ياجار..."... هكذا يصرخ البائع من أمام "براكته"، حيث تستلقي القرون الحمراء والخضراء والمختلطة في "قابيات" بلاستيكية تنتظر "بو العيلة" يأخذ منها كيس أو أكثر، فلا يزدرد الأكل الليبي إلا بها. منها الأحمر "المبلبل" الذي يجفف في الشمس حتى يضمر ثم يهرس مع الثوم ليصبح "هريسة" تشتم رائحتها النفاذة عن بعد، ومنها ما يتحول إلى "أمسيّر" حيث يشق قلب الفلفل ويوضع في قوارير زجاجية ليسبح في عصير الليمون والملح وفصوص الثوم، ولا يطيب أكل "الكسكسي" إلا بقضمه مع كل ملعقة منه، بل يرش البعض من مائه في "القصعة". أما "رشتة البرمة".. فتسبح في مرقتها الحمراء قرون الفلفل المطبوخة فيها لتصبح سهلة الهرس مع قطع العجين المسطح. ويقلى الفلفل في الزيت لوجبة "الطباهج" فتتحول قشرته الخارجية إلى مايشبه قماش الصاعقة ليدخل حربا ضروسا مع الباذنجان والبطاطا والقرعة البيضاء المقلية. ويؤكل قرن الفل النيء، مع "البازين" وحبذا لو كان أخضر.. قضمات جسده المتماسك مسموعة، ويغرس رأسه ويدهس بقوة وسط العجين حتى تتساقط حبيباته وتختلط مع لقمة البازين. أما "الشرمولة" فإن من مكوناتها الأساسية الفلفل، حيث يتم طحنه بقوة داخل سطح الصحن حتى تتقطع أوصاله وتفرغ كل حبيباته ويخلط مع الطماطم الأخضر والبصل والثوم، ويفرك فيها قطع خبز الشعير، وعادة ما تؤكل صيفا.

كلما رأيته.. تذكرت قرن الفلفل.. عوده المنحني.. تمطيطه لجسده بشكل مائل خاصة في جلساته، شعيرات رأسه القصيرة المتراكمة في المنتصف والخفيفة في الأطراف.. وأخيرا لسانه الحار..الجاف.. ينفث به كلمات تشبه زريعة الفلفل.. تنتشر وتضر... سمعت بأسمه لأول مرة أثناء الثورة.. خرج علينا يدين جرائم النظام ويدعم الثورة.. ورغم أن كثيرين اتخذوا موقفا مشابها أو حتى أقوى من موقفه الوحيد ذاك.. إلا أنه استخدم ذاك الموقف ليقف به كقرن الفلفل وسط الحقل، يتدلى ويتلوى حتى استوى وتلون بالأحمر وأصبح حارا، لدرجة أن أحدا لم يقترب منه، دعك من أن يقضمه، رغم اشتهاء الكثيرين أن يختفي من المشهد.

يشاع أنه مصاب بلوثة، تجعل من المستحيل أن يسيطر على لسانه، أو مشاعر الكراهية التي يضمرها لكل ما حوله.. لذا تفاداه كل من عرفه، ولم يقترب منه من لم يعرفه، فشكله وهندامه وابتسامته الجانبية القصيرة ومسلكه المتهور تبدو كأشواك القنفد أو صدفة السلحفاة أو لزوجة الضفدع، تنفر غيره منه قبل أن تحميه.

الثورة كالبركان، لا بد أن يخمد أو يهدأ، وأن يهبط الرماد أو يستسلم للرياح ترحل به وتحط في أماكن بعيدة، أن يتجمع الصهير الأحمر الساخن في الشقوق ويغلقها، أو أن يخلق جزيرة أو صخرة.. البركان، وإن كان قاتلا، إلا أنه يحتفظ بالذاكرة في قوالبه الحجرية.. فما تزال مدينة بومبي الإيطالية تحتفظ بذاكرة ذلك البركان بتفاصيلها، من خلال أجساد متحجرة، منها المتعانقة وهي تواجه السيل الساخن القادم أو القالب الصخري، والأم المحنية لحمل طفلها سعياً لنجاته.. إنها الحياة التي جمدت بين الصخور البركانية..

لكنه ومن معه كانت البراكين في قلوبهم لا تهدأ ولا يهدأون، غايتهم أن تستمر البراكين في البلاد، وبالتالي الموت والعذاب والفاقة والهرب والنزوح... بوعي أو بغيره، بلوثته أو بعقله المتأرجح، بعاطفته المتأججة أو بكراهيته المتأصلة، عشق "قرن الفلفل" أمرين.. السلاح والتآمر.

عاد "قرن الفلفل" إلى بلدته مسقط رأسه، وأخذ يتصرف كزعيم.. الولائم والاجتماعات واللقاءات.. لكن في كل هذا كانت دموعه تنسكب سخية، وهو يردد قصة اعتقاله وهروبه أثناء أحداث الثورة.. كيف هاجمت بيته سيارات تيوتا عالية يمتطيها مسلحون، اختطفوه وكبلوه وعذبوه ومنعوا عنه الماء والكلأ والدواء، ورموا به في أحد الأقبية التي لا تتنفس حيطانها، وذات أرضية رطبة، دون غطاء حتى اصطكت عظامه، ووهن جسده، وشارف على الموت.. كان الجالسون فاغري الأفواه، محملقين في وجهه، ينتظرون بفارغ الصبر بقية القصة التي لم يكملها أبدا، بل غالبا ما تغالبه دموعه عند تلك اللحظة بالذات.. ولم يعرف أحد حتى اليوم كيف خرج من القبو، بل سافر إلى ما وراء الحدود. قصته المبتورة تلك، التي لا مكان محدداً فيها على خريطة المدينة، ونهايتها المكتظة بالدموع والشهقات فتحت الأبواب أمامه حتى لبس عباءة الزعماء، وأمسك بعصا قديمة، نسبها لأحد أجداده، وأعلن عن قيام حزب سياسي عائلي.

"قرن الفلفل" لا ينمو وحيداً، فشجيرات الفلفل تفاجأ جامعها بأن ثمارها تنمو بشكل جماعي، تبحث عنها بأصابعك فتجدها مختفية بين وريقاته.. هكذا فعل، لم تكن قصته المبتورة، ولا ظهوره المتكرر على التلفاز، ولا صوره المنتشرة في الانتخابات لتكفي، كان بحاجة لقوة من نوع آخر.. شباب صغار في السن، عاطلين عن العمل، جمعهم من شجيرات عدة، وضعهم في إحدى الفلل الفخمة المهجورة المملوكة لرجال النظام السابق الفارين. اهتم بإطعامهم وعبأ جيوبهم، وتركهم في تلك الفلل معطلة عقولهم ومنتفخة أوداجهم وجيوبهم، والبنادق الاتوماتكية على أكتافهم.. كانوا يقتلون ويعيثون فساداً، بينما هو يتلوى ويتلون ويضحك.. استراح منذ أن تشكلت كتيبته، وتمدد وتفرغ لتسلق سلم السلطة، آملا في الوصول إلى منصب تنفيذي يحكم به البلد. كان يرى صبيته زريعة "فلفل".. يتساقطون قتلى في معارك عبثية، يرسل بهم إليها بذريعة محاربة "الأزلام".. الكلمة السر التي قضى بها عليهم.. كان يضحك بينه وبين نفسه ويصفهم بـ"زريعة" خائبة، لا تنمو ولا تتكاثر. هو "دون كيشوت" الليبي.. يضرب بالسيوف طواحين الهواء.. فأولئك الذين يقدحهم في كل خطاباته ومجالسه هم أهله وجيرانه وأصدقاؤه وبنو عمومته، بل وأفراد كتيبته وسكان مدينته وبلده.. لكن قرن الفلفل لن ينتهي جموحه إلا إذا أفرغ البلد من سكانه أو حين تضربه طواحين الهواء وترديه أرضا...

كلما كان البلد يهدأ وتعود الحياة إلى وتيرتها شيئا فشيئا، كان "قرن الفل" يشتعل، ويبحث عن طريقة ينفث بها حبيباته الحارة، ليلهب المكان.. انعقدت الانتخابات العامة في البلد وبنسبة مشاركة عالية، في دلالة واضحة على لم الشمل ولظم الجراح الغائرة بعد حرب منهكة.. لكن "قرن الفلفل" الذي وصل إلى البرلمان، استمر في التحريض، والإدعاء والكذب ولهب المشاعر بلسانه، حتى كان اجتياح مدينة بقرار برلماني بعد دكها عن بعد بالصواريخ، وارتكاب جرائم يندى لها الجبين... كان "قرن الفلفل" يتلوى ويضحك.. لكنه يختبئ من حين لآخر وسط وريقات وقرون فلفل أخرى تشبهه، إلا أن شواهد تلك الجريمة خاصة ما ترك من أثر في ميدانها أرتبط به.

ما زال "قرن الفلفل" لم ينه قصته.. كيف خرج من قبوه.. وعاد إلى بيته، وسافر بجواز سفره.. ما زال المشهد.. رجال فاغرة أفواههم ينظرون إليه، وقد بللت دموعه وجهه، وغص حلقه وتوقفت كلماته عند وصف القبو المظلم دون تحديد مكانه... وما زال صبيانه "كزريعة" الفلفل يتجولون بذات السيارات البيضاء التي يدعي أنها زارته ذات يوم وحملته لذاك القبو الرطب..

الفلفل أرخص الخضروات.. يصرخ البائع أمام براكته في سوق الثلاثاء "بربع دينار يا كمالة..."، ترتفع أسعار كل الخضروات إلا الفلفل.. حتى في شهر رمضان يبقى سعره زهيداً.. رغم قوامه الممشوق والتواءاته وانفراده والوانه.. فهو جبان.. يختبئ بين وريقات شجيراته، لا تتعب في البحث عنه، فالبائع يناديك ويعرضه عليك، ويكمش بيده حفنة منه يرمي بها في الكيس البلاستيكي.. وزنه خفيف.. ومهما عبأت يظل خفيفا... تقضمه أو تهرسه أو تطحنه أو تخلله أو تشق قلبه وتسقط عنه حبيباته، يظل مفعوله الحار اللاذع وقتيا.

عزة كامل المقهور
22 نوفمبر 2015

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
عبدالحق عبدالجبار
يا جماعة اشرف الناس .... ؟ ان اكرمكم عند الله اتقاكم ...؟ هل كان سيدنا محمد صلوات الله عليه و سلامه و علي اله وصحبة اجمعين من العائلات الملكية و…...
التكملة
سامي
ياسيدة عزة قرن الفلفل حار وكلامك حار زيدي شوية زيت...
التكملة
محمد منصور عبدالله
الى السيد المحترم ليبي بسيط العائلات الملكية اشرف الناس لم، أنا تمني ان تراجع العائلات الملكية وان يرجع عهد ملك الصالح...
التكملة
ليبي بسيط جدا
من بساطة الليبي عجبه قرن الفلفل قال اللي حكى فيه يقعد وزير، هو اللي حكي فيه يستنى فيك؟ ماهوقاعد سفير ويبى أخرى؟ زعما يجيبوا البلاد بالأسماء والعائلات الملكية التي صبغوا…...
التكملة
مسعود الصبع المدوحس
نصيحة للفلفل... بحار انا يا مليح... طول عمري ضد الريح... ولكن في بحر ليبيا وهلها... أعطيت امري لله... وحطيتها في أيد الله ... وقلت وين يبي هلها يا بحر ابحر... قوتلكم…...
التكملة
عبدالرحمن السواحلي
كتير من ليبين لديهم قصر نظر للاسف شديد نبحث عن ضحية لنعلق عليها خيبتنا و جهلنا و همجيتنا و اتكلنا علي اخرين ومشاكلنا....المشكل ليبي معقد و لا يمكن لوم طرف…...
التكملة
Mustafa Zaidi
Thank you.............
التكملة
محمد منصور عبدالله
السيد عزة وصفت عبد الرحمن السوحلي بقرن فلفل فهو من اجتاح مدينة بني وليد بقرار المؤتمر وفيلات غرغوار بطرابلس ، والله وصف جميل جداً...
التكملة
البشير
قصة جميلة واوافق الكاتبة اسقاطاتها، لكن شيء واحد ان ثمن الفلفل لم ينزل على الدينارين منذ فترة والان ثمنه يلامس 3 دينار، اما ربع الدينار فقد سقط من حسابات العملة…...
التكملة
Ali Hamza
I don't agree with the symbolism. The story sounded entertaining, with readers amused. The reality is painful, tragic and far reaching. We need tonnes more of seriousness and team work…...
التكملة
مصطفى التاجوري
شكرا لك رجعت بنا الداكرة الى ايام الزمن الجميل وايام الطفولة في الظهرة مقطع الحجر مسقط راسال المقهور المحترمين ،والى ايام سانية المقهور هناك حيث كنا نتسلل الى السانية خلسة…...
التكملة
ليبي
فيمما تنال السي عزة كل هذا الاعجابوهي تستحقه عن جدارة مثلما تستحق ان تكون وزيرة للاعلام والثقافة لموهبتها الفذة واصلها العريق،،...
التكملة
علي احمد
مقاربة وتشبيه ينطبق علي اغلب متصدري المشهد في ليبيا وكان السيدة المقهور تكتب في مشاهد لفيلم الزعيم لعادل امام...
التكملة
asef godban
الكاتبة تشير الي قرن فلفل براني و لكن ماذا عن هريسة الحوش . منورة في جميع الأحوال...
التكملة
wael krekshi
اعجبني الأسلوب الرمزي و طريقة تزيين القضية بتعابير جميلة تدفع بك بعيدا لوهلة عن صلب الموضوع . برافو أستاذة عزة شخصيا ترأي لي قرن فلفل محدد !...
التكملة
مفيدة عريبي
عندما شاهدت العنوان شدني وتساءلت ما الذي يمكن ان يختبئ تحت عباءة قرن الفلفل الحار فوجدت ملخص لما نعانيه ولا زلنا بفضل هذا القرن اليابس الجاف الذي إكتوينا جميعآ بحرارة…...
التكملة
مصطفى التاجوري
حفظ الله اديبتنا المرموقة ومزيدا من الابداع والتالق يابنة طرابلس الزهر والحنة...
التكملة
الظهرة جامع السوداني
حفظ الله ابنة شارعنا بنت الزهر والحنة الطرابلسية الاصيلة واشكرك على ابداعاتك في مجالات الادب والقصة القصيرة ،،،،وهو ابداع ليس غريب على كريمة المرحوم كامل المقهور،،،امثالك يوءكدون ان ليبيا لا…...
التكملة
مختار الهوني
رائع يا استاذة عزة ، قصة جميلة واسقاط أجمل ، في النهاية سيتم هضمه داخل احشائنا ورمي ما تبقى منه في ..... بالرغم مما سببه لنا من "تمحميط" أو سيلقى…...
التكملة
فائزه الشريف
فعلا استمتعت كثيرا قصه معبره...
التكملة
محمود البوسيفي
لا أملك سوى الشكر والأمتنان أضعه في أضمومة ورد صبوح للسيدة عزة على البهجة التي أثثت بها مناخ قصتها الجميلة . مرحى...
التكملة
د.شريف
شكرًا للسيدة عزة ، رمزيتها جميلة بنكهة ليبية طرابلسية من حيث الرائحة والمذاق ، شكراً...
التكملة
m.b
شكرا للكاتبة ، دراما تيك ..تحفل ببوهيميا واهمة ـ أكثر ممثليها المعلقين الافتراضيين ، شكرا...
التكملة
عبدالحق عبدالجبار
في يوم من الايام قفل البائع براكته و دس فليفلاته معاد شمينا حتي صنيناتها وتوقف عن قول (الفلفل الحار ياعيلة... المليح انقض.. ياماشي قول للجاي"، "زود تعال فلفل وحار.. مشيط…...
التكملة
فوزا
ماذا يمكن ان يقال في محراب الابداع ...؟؟؟...
التكملة
ليبي حاير
استمتعت كثيراً اختي عزة بقراة قصتك الجميلة. تسْلمْ قهوجي المحكمة، ٣ سطور فقط لخصت فيها روح هذه القصة الجميلة. ليبيا مزالت بخير....
التكملة
يونس
لازالت نصوص الأستاذة عزة كامل المقهور القصصية تحافظ على نسق أسلوبها السردي الشيق، والوصفي العميق المتميز بالغوص في ثنايا التفاصيل وتسجيلها بدقة، إضافة طبعاً إلى المضمون والمحتوى العام أو الرسالة…...
التكملة
بزار احمر
قصة جميلة ورائعة بأسلوب راق. وما أكثر رؤوس الفلفل الآن منهم مختبىء فى الامارات ومنهم من يتسول فى قطر قرون صارت فى مجلس طبرق ورؤوس ما زالت تتعلق فى مؤتمر…...
التكملة
قهواجي المحكمة
تتسلل ريحة المطبخ من اقصى مناطق اللاشعور، ثم تنتشر تطرد كل عطور الثقافة القانونية ذات الاصول الفرنسية، تفضل الانثى ((حزامية)) الطهو البيضاء الفاضحة للاوساخ، ذلك الكفن الملطخ ببقايا الاطعمة، وتزدري…...
التكملة
غيث سالم سيف النصر
استاذه عزه، على خطى استاذى المرحوم والدها ، الا ان الرمزيه عندها عميقه جدا، سهفتينا بما خط يراعك غذاءً للعقل وما سردته من أصناف غذاء المعده....
التكملة