د. أحمد ابراهيم الفقيه: بوكا الميت... وبوكا الحي 26/11/2015 08:54 د. أحمد ابراهيم الفقيه: بوكا الميت... وبوكا الحي
د. أحمد ابراهيم الفقيه بحث


((مات بوكا تاركا المكانة التي تبوأها بقوة السلاح في التراتبية الميليشياوية المتسلطة على
المشهد الليبي، ولكن 'بوكات' مثله مازالوا يواصلون التحكم في الحياة السياسية الليبية الراهنة))

عرفه الشعب الليبي مقاتلا في صفوف الثوار، وانبهروا بادائه وتصريحاته، في الاشهر الثمانية الاولى، من الحرب الشعبية التي خاضها الشعب الليبي ضد نظام القذافي وكتائبه، لحظة ان هبوا في مظارهرات سلمية، يطالبون باسقاط النظام، اسوة بما حدث في تونس ومصر، فقابل الطاغية مظاهراتهم بامطار الرصاص، وامر القناصة بالصعود فوق العمارات لمنع حشود الناس من الوصول الى الميادين، فكان الرد هو ان تنادى الثوريون لخوض المعركة المسلحة، وبين الذين لبوا النداء شاب في مقتبل العمر اسمه بوكا، يعمل في حفرة معدة لتغيير زيوت السيارات، باحدى الورش، وتسمى هذه الحفرة باللهجة الشعبية الليبية"بوكا"،  التي صارت اسما لهذا الشاب، ونسوا اسمه الذي ولد به محمد العريبي، بسبب وجوده طوال مدة العمل في هذه الحفرة، والتحق هذا الشاب بجبهات القتال، وتلقى تدريبا، وتاهل ليحمل السلاح ويخوض المعركة، وظهر في الاعلام، ففاز بشعبية كبيرة باعتباره نبتة من نبتات الارض الليبية، تصرف بتلقائية وعفوية، وانخرط في هذه الحرب ضد الطاغية بسبب احساسه بالظلم والحرمان، كما كان يحس به اي مواطن بسيط، دون تلوينات سياسية ولا استجابة لهوى ايديولوجي، لانه رجل بسيط، لم ينل تعليما، ولا قدرة له على تكوين وعي خارج الشعور الفطري، الذي كان كافيا لان يدفع به كي يذهب مع الذاهبين الى المعركة، مستعدا لبذل روحه، والتضحية بحياته في ارض المعركة ضد النظام، الذي راي فيه تجسيدا لما كان يعانيه من ظلم وعوز وحرمان، وفعلا سقط رفاق له شهداء في ميدان المعركة ضد الطغيان، وكتبت له النجاة، ليصبح احد رموز الثورة، واحد المعبرين عن مدى عمق تواصلها مع الطبقات المسحوقة في المجتمع.

ما حدث بعد ذلك صنع، مأساة لبوكا ومأساة لوطنه ليبيا، اذ انه بدلا من ان يعود الى ورشته، كما كان قبل المعركة، مواطنا محبوبا، محاطا بالتقدير والتوقير لدوره البارز في المعركة، مستقطبا الزبائن لورشته بسبب السمعة التي نالها، مستفيدا من مردود هذه السمعة، مالا حلالا زلالا، عمل العكس من ذلك، استجاب لنداء لوردات الحرب، ورؤساء الميليشيات، ليستمر في العمل ثائرا يحمل السلاح، ولكنه هذه المرة لا يثور لصالح الوطن ويعمل لتحريره، ولكنه يستمر ثائرا لصالح الدور الجديد كعضو في ميليشيات التسلط والنهب والجريمة، واغتصاب الحكم من الحراك الشرعي، وفرض واقع جديد غير واقع الانتخابات، وحصاد صندوق الاقتراع، ولكنه واقع الحكم بقوة الميليشيات والسلاح، واصبح بوكا واحدا من القادة المساعدين لاحد لوردات الحرب، يقود احدى الميليشيات المنتسبة الى التطرف الاسلامي، وصدق فعلا انه قد صار حاكما الى حد انه قاد احدى ميليشياته لمحاصرة المؤتمر الوطني العام في طرابلس، قادما من بنغازي، ولعله استطاع في احدى المرات الاستيلاء على منطقة تضم فرعا لواحد من البنوك، استولى على امواله، وصار بوكا الخارج من حفرة الزيوت الفاسدة في ورشة السيارات، يتبوأ مركزا في هرم السلطة الميليشياوية، كما صار صاحب عدد من ملايين الدولارات، الا ان شظية دخلت راسه في احدى المواجهات، اودت بحياته، مات بوكا تاركا الملايين التي سطى عليها، والمكانة التي تبوأها بقوة السلاح في التراتبية الميليشاوية المتسلطة على المشهد الليبي، واقام له الاسلام السياسي جنازة واسموا باسمه شارعا في طرابلس، ولكن بوكات مثله مازالوا يواصلون التحكم في مسار الحياة السياسية الليبية الراهنة، ومازالوا يصنعون التازم ويكرسون الواقع المأساوي، ويعيثون فسادا في البلاد سطوا وخطفا وقتلا، وهم بالتاكيد وراء اغتيال كل مبادرة للسلام وكل احباط للمحاولات الاقليمية والعربية والمحلية التي تسعى لتأمين حد ادنى من الاستقرار، وربما كانت ابشع واقبح ما صنعوه هو الحالة التي اشاعوها في البلاد الى حد ان راينا ان اهل السياسة انفسهم، الذين تم اختيارهم عبر صناديق الاقتراع، سواء في المؤتمر الوطني العام الماضي، او في بعض المجالس البلدية المنتخبة، او في لجنة الستين المكلفة بصياغة الدستور، وايضا في مجلس النواب الجديد المتقادم، الذي اعطى لنفسه رخصة حياة جديدة بعد انتهاء ولايته اقتداء بسلفه المؤتمر الوطني، يدخلون في مبارايات ومنافسات مع هؤلاء الميليشياويين، تربحا وتسلطا ونهبا للمال العام، وافسادا للحياة السياسية، وتعطيلا للمسار السلمي الذي يتيح الاستقرار ويمهد الطريق لبناء المؤسسات الدستورية الثابتة والدائمة.

نعم لقد مات بوكا الذي اعجب به الليبيون واختطفته غيلان التوحش والاستغلال والحرب الدامية ضد الشعب ومات نموذج بوكا الثائر المحارب من اجل الوطن والكرامة الانسانية وبقى بوكا الاخر، بقى حيا، يتناسل في الاخرين، وينتشر فوق الارض الليبية، ويسيطر على مشرقها ومغربها وشمالها، وجنوبها ويلوث بدخان اسلحته سماء واجواء البلاد وينشر رائحة زنخة كريهة في ليبيا ارض الزهر والحنة وترابها الذي ينتمي الى تراب الجنة، كما تقول الاغنية الشهيرة، ويحيلون جنائنها الى جحيم فاحذروا ايها الليبيون لكي لا تصابوا جميعا بمرض اسمه بوكا، ولكي لا يدخل في دمائكم فيروس اسمه بوكا، وتذهب بلادكم ضحية مرض خطير يسرى سريان الامراض المعدية اسمه بوكا... رحم الله بوكا الثائر النقي ولعن الله بوكا المسعور الذي صار عنوانا للتلوث والفساد والاجرام.

* ينشر بالتزامن مع نشره في صحيفة العربد. 

أحمد ابراهيم الفقيه
 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
محمود السمين
ولكن ما الذي حول "بوكا" البسيط من رجل وطني شجاع الى ارزقي يجري وراء التسلط والنهب والسلب ويتغول على اهله ويضيع املهم في الاستقرار والامن والامان هل من اصابع لاخطبوط…...
التكملة
عمر
الفرق بين الثورة والتخريب والارهاب، ان الثورة تعمل لصالح الناس والثوريين يعملون لصالح الناس لكن الارهابيين يعملون لصالح جهات اخرى او لصالح انفسهم. وماذا يسمى من يسطوا على بنك ومن…...
التكملة
نورالدين بن سالم
لقد مات بوكا فسئل الله له الرحمة. لماذا لا يتكلم الكاتب عن دينصورات المال العام وتخريب ليبيا أمثال جبريل وزيدان والنايض وغيرهم؟؟؟؟؟ أم لأن الرجل مات...
التكملة
باحث عن الحقيقة
ما هذا المكيال يا استاذ احمد الفقيه ..... تحاسب بوكا الرجل البسيط الذي لا يعرفه دهاليز اللف والدوران وتترك الدهاقنة الذين أتوا من الخارج حيث كانوا مشردين... وفجاءة غادرو ليبيا محملين…...
التكملة
صالح الورفلي
لنفرض ان ماكتبته ياسيد أحمد صحيح فيما يتعلق بشخصية وأمال وأحلام بوكاو لكن الا تري انك تقيس الامور بمكيالين اولا لقد أستأسدت علي شخص هو الان في ذمة الله ربما…...
التكملة
عدالباسط المحجوبي
والله يا أستاذ لقد أجدت التصوير وأصبت كبد الحقيقة فمثل بوكا أو هذا الفيروس الذي يمثله انتشر كثيرا في بلادنا بعد الثورة وأكثر انتشارا بين الفقراء والمهمشين من ابناء الشعب…...
التكملة
نضال العماري
في الواقع ان من يتحكم في العالم اليوم اصبح يتفنن في التحكم في عقول الشعوب و عقائدهم و خلقوا لهم ايدلوجيات نابعة من معتقداتهم اوهمتهم بانها طريق الخلاص و كل…...
التكملة
رمضان البرعصي
مع احترامي لبوكا ربما حارب في بداية الثورة لاجل وطنك او لاجل نفسة ليضفر بحياة كريمة طيبة ولكن هناك مغالطة وهي مقارنتة بالمجاهدين ابان الاحتلال الايطالي وبعض الصفحات يقارونة بالشهيد…...
التكملة
سعيد الطيب
(ما حدث بعد ذلك صنع، مأساة لبوكا ومأساة لوطنه ليبيا، اذ انه بدلا من ان يعود الى ورشته، كما كان قبل المعركة، مواطنا محبوبا، محاطا بالتقدير والتوقير لدوره البارز في…...
التكملة
د/الهادي العربي
شكراً لك اخي الأديب احمد الفقيه... والله أصبت الهدف في مقالك الرائع... السهل الممتنع بارك الله فيك...
التكملة
متابع
اتفق مع الأخ علي حسن في ضرورة ان نسمع من أركان النظام السابق إفاداتهم لنعرف تماما حقيقة ما حدث وإلا فستموت معهم أسرارهم وتغيب الحقيقة عنا وفي نهاية المطاف فما…...
التكملة
Ali Hamza
Many thanks to AlWerfalli السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا لم يقرأ الليبيون ونخبهم التاريخ، ومن ثم يحاولون منع تحول البوكات إلى أدوات قاتلة؟ وذلك عن طريق التركيز على التعليم والتربية…...
التكملة
علي حسن
مقالة رائعة في بعدها التحليلي د احمد ولكن للحقيقة التاريخية فان تحول الثورة الليبية الى ثورة مسلحة ضارية لم يكن مرده الى تهور النظام واستخدامه لقوة القمع فقط بل كانت…...
التكملة
ابو احمد الشريف
الكاتب الأديب أجاد وأحسن الاختيار لنموذج النفس البشرية كيف يمكن أن تكون مطمئنة وامارة بالخير او تكون نفس ضالة امارة بالسؤ او تكون لوامة في صراع الخير والشر .نموذج الراحل…...
التكملة
الورفللي
بوكا نموذج للإنسان الليبي البسيط الساذج الذي ظهر في حقب كثيرة من حقب تاريخ هذه البلاد، وأهمها حقبة الاستعمار الايطالي ثم حقبة فبراير. في الحقبة الأولى ظهر الآلاف من البوكات…...
التكملة
khalifa
مقالة تلخص مأساة ليبيا...
التكملة
سعيد رمضان
سيدى الفاضل :منذ بداية ثورة فبراير ونحن نتعرض للتضليل والخداع من القريب والغريب ،المجلس الوطنى الأنتقالى الذى جعلنا منه ممثلنا الوحيد بدولة ليبيا الجديدة ،قام ببيعنا الى المؤتمر الوطنى مقابل…...
التكملة