جمعة أحمد عتيقة: مبادرة قد يجهضها سوء الفهم!! 9/12/2015 23:18 جمعة أحمد عتيقة: مبادرة قد يجهضها سوء الفهم!!
جمعة عتيقة بحث

منذ فترة طويلة وأنا أحاول الشرح والتأصيل لموضوع أُثير بعد ثورة فبراير 2011 يتعلق بموضوع العودة الى دستور المملكة حلّاً لإشكالية صياغة دستور للبلاد... ويوماً بعد يوم إزدادت قناعتي بأن هذه الدعوة تفتقر الى الفهم المتجذر لأبسط مبادئ الثقافة الدستورية التي غُيبت وغابت لعقود طويلة عن التنظير والممارسة.. ورغم قناعتي بأن النوايا التي تقف وراء هذه الدعوة تحمل كثيراً من حسن النيّة والبحث عن مخرج آمن لهذه القضية الشائكة... إلا أن تجددها الآن ومحاولة بعض الأطراف السياسية إستخدامها (كحصان طروادة) دفعني الى العودة الى تناول الموضوع مجدداً....

صدر دستور المملكة عن الجمعية الوطنية الليبية ( لجنة الستين) في جلستها المنعقدة بمدينة بنغازي يوم الأحد 6 المحرم الحرام 1951 الموافق اكتوبر 7 (قبل إعلان الإستقلال).. ثم عدّل هذا الدستور بموجب القانون رقم (1) لسنة 1963، وعند صدوره، إعتبر وقتها من أحسن الدساتير المعاصرة بالنظر لمحتواه وصياغته ونجح في إنشاء دولة ليبيا وسط ظروف موضوعية بالغة التعقيد كان إستقلال ليبيا فيها مهدداً بمشاريع التقسيم والوصاية الدولية ووسط خلافات ومنازعات بين الأطراف السياسية لا تكاد تختلف عما نشهده اليوم.. وحين صدر هذا الدستور لم يكن قد تبقى من المدة التي حددتها الأمم المتحدة بموجب قرار الجمعية العامة الصادر في 15 نوفمبر 1949 سوى ستة أيام غير أن حكمة الأباء المؤسسين غلبت في النهاية وصدر الدستور وتحقق الإستقلال ثم جاء الإنقلاب العسكري 1969 وأعلن سقوط كل المؤسسات الدستورية واصدر إعلاناً دستورياً مؤقتاً نص في مادته الإخيرة على أن يعمل به الى حين صدور دستور دائم للبلاد الأمر الذي لم يحدث حتى يوم الناس هذا..

وحين تم الإعتداء على دستور البلاد ونظراً لإنعدام الوعي والثقافة الدستورية، لم يدافع أحد عنه أو يرى أن الإعتداء عليه هو إعتداء على “ الشرعية الدستورية “ بل حدث العكس حيث خرجت جموع غفيرة ومظاهرات حاشدة تؤيد وترحب بالإنقلاب حتى قبل أن تعرف أسماء القائمين به..

وما يهمنا تناوله الآن.. هو أن دستور (1951) الأصلي والـ 1963 المعدل قد بينت أحكامه على أن ليبيا دولة "ملكية وراثية" (مادة 2).

وقد نص الدستور في المادة (59) على أن (الملك مصون وغير مسؤول) في حين أن فصلاً كاملاً (الفصل الخامس) ومواداً اخرى تنص على أن (السلطة التشريعية يتولاها الملك بالإشتراك مع مجلس الأمة مادة (41) ويتولى (السلطة التنفيذية في حدود الدستور) مادة (42) - فالملك هو الرئيس الأعلى للدولة - (مادة 58) وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة  (مادة 68) فهل تستطيع أن تتغافل عن أن مياهاً كثيرة مرّت تحت الجسر وأن ظروفاً موضوعية شتى قد تغيرت لتجعل من العودة الى هذا الدستور أمراً قد لا يتجاوز التفكير الرغبوي الذي أنهكته ظروف التردي والإنسداد  التي وصلنا اليها.. وكم قوبل طرحي هذا من قبل البعض بعبارة تسطيحية (يا سيدي نعدلوا فيه!!) ونسي هؤلاء أو ربما لا يعلمون بأن نص المادة (197) من هذا الدستور  تنص على  أن (لا يجوز إقتراح تنقيح الأحكام الخاصة بشكل الحكم الملكي وبنظام وراثة العرش…) وإذا أجاب البعض بطريقتنا الليبية في التبسيط المخلّ وغير المدرك لطبيعة الأحكام الدستورية (نعدلوه ليش لا!!!) فمعنى ذلك أننا ألغينا عموده الفقري الذي يرتكز عليه وعندها لا تستقيم الدعوة للعودة الى دستور المملكة فضلاً عن قصور مواده التي تتناول الحقوق والحريات والتي أطلق عليها (حقوق الشعب) من مادة (8) الى مادة (35) أمام تطور اجيال حقوق الإنسان وتراكم التجارب الدستورية في هذا المجال. ورغم أن هذا الأمر مقدور عليه و يمكن تعديله.. إلا أن ما أود أن أخلص اليه بأن هذه الدعوة لو قدمت بشكل تأصيلي صحيح مدرك.. لكانت دعوة الى (الملكية الدستورية) التي تجسدت نماذجها في كثير من الدول المعروفة لدى الكافة فربما كان مجال المقبولية أكبر رغم عدم توفر مقوماتها لدينا حالياً…

ولا يفوتنا في هذا المقام أن نذكر بأن صياغة الدساتير اليوم لم تعد من قبيل (إعادة اختراع العجلة) فالنماذج والتجارب كثيرة والمشتركات بين أحكام الدساتير عديدة.. تعطي أغلب مساحة الموافقات.. وتبقى النصوص المتعلقة بالخصوصيات محصورة في اختلافات دينية - أو مجتمعية ـ أو جغرافية غير أننا تعودنا أمام العجز والشلل الى محاولات إخفاء الحقائق و القفز على الواقع وأن نقتات بالشعارات الجوفاء حتى ولو كان الواقع يمدّ لسان السخرية والإستهزاء..!!

هل أعلنت لجنة صياغة الدستور فشلها؟

قرأت تصريحاً لرئيس لجنة صياغة الدستور الدكتور علي الترهوني يحاول ان يسوق مبررات ويبرز عقبات يرى أنها وراء تعثر صياغة مسودة الدستور كالإختلاف على شكل الحكم و يعلن أن اللجنة بصدد إرسال بعض اعضاءها للاطلاع على الدستور المصري والتونسي!!.. الآن وبعد مرور اكثر من عامين على إنتخاب اللجنة التأسيسية.. في حين كان من الممكن أن تعمد اللجنة الى طلب إجراء إستفتاء شعبي على شكل الحكم في بداية عملها وصولاً الى حسم ديموقراطي لهذه المشكلة.. كما أن الأطلاع والأستفادة من التجربة المصرية والتونسية كان متاحاً منذ فترة طويلة وكان يمكن أن نستفيد من الناحية الإجرائية بتجربة لجنة الستين التي صاغت و اصدرت دستور الإستقلال حيث شكلت الجمعية الوطنية لجنة خاصة لإقتراح صياغة مواد الدستور تتكون في ثمانية عشر عضواً من أعضاءها تعاونهم (بعثة الأمم المتحدة!!) برئاسة أدريان بلت.. مع الإستعانة بخبرات قانونية عربية وأجنبية.. ووضعت (لجنة الدستور) أمامها عدداً كبيراً من دساتير العالم التي إعتمدت ( النظام الإتحادي)  وكلما فرغت من صياغة فصل من فصول الدستور عرضته على الجمعية الوطنية للمناقشة والتصويت وهكذا دواليك.. وهو ما تضمنته تفصيلاً محاضر الجمعية ولجنة الدستور (التي أتمنى أن يكون أعضاء اللجنة التأسيسية قد إطلعوا عليها).. أمّا أن يبقى عمل اللجنة مصبوغاً بروح (الرغاطة) وأسلوب ((كلمة مني وكلمة منك!!)) وهو ما برز بوضوح عند عرض ما سمي مخرجات اللجان والتي حضرتُ ندوة في تونس لمناقشتها بداية هذه السنة فالصياغة كانت دون المستوى المطلوب كما أن ما حوته مقترحات بعض اللجان لا يفرق بين النص الدستوري المؤسس والمحكم.. وبين مواد وصياغات القوانين واللوائح.. لنجد أنفسنا اليوم وبعد الأموال التي صرفت والوقت الذي أهدر نراوح في نقطة البداية مما دفع الناس الذين اضناهم طول الإنتظار ولفتهم سحائب خيبات الأمل.. يلجئون الى الماضي طلباً للخلاص من هذه المعضلة حتى ولو كان الواقع متغيراً والظروف مختلفة والمعالجات متباينة..

لن أتعرض هنا للخلل البنيوي الذي شاب تشكيل اللجنة التأسيسية (الإنتخاب).. وربما عدنا الى تناوله مستقبلاً.. ولكن ما نودّ أن ننتهي اليه… ان هذا الواقع المرتبك والتجارب الفاشلة قد يؤثر سلباً على مستقبل التجربة الدستورية.. وقد يكفر الناس بفكرة الدستور كما كفروا بأمور كثيرة كنا نظنها من الثوابت خاصة اذا اضفنا الى ذلك.. أن المشكلة الرئيسية والمعضلة التي تعيشها بلادنا لن تحلّها نصوص دستور مهما بلغت جودته في غياب التوافق والمصالحة وفض الإشتباك.. الذي أوصلنا الى حالة من (العصاب الجماعي).

والله من وراء القصد

جمعة أحمد عتيقة

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
مناضل
الان تنظرون ععلينا كانكم خارج اللعبة القدرة التي ادت بالبلاد الي الحضيض هدة نتائج النخب الليبية التي كانت تسرح وتمرح في بلاد اللة الواسعة او كانت في السجون اوكانت مع…...
التكملة
Matar
هناك مغالطة كبيرة في المقال فإن كان الدستور لا يجيز تعديل النظام الملكي ووراثة العرش إلا أنه لا يوجد فيه مايمنع التعديل فيما يخص صلاحيات الملك...
التكملة
الملكي
تشكيل من جديد لجنة دستور؟ تشكيل حكومات من جديد؟ تشكيل؟؟ هاتوا الملك واجعلونا نرتاح وهاتوا معاه دستور الملكية... دستور سكر....
التكملة
مواطن
الامر الذي الذي لا يختلف عليه اثنان هو ان لجنة صياغة (ضياعة) الدستور فشلت فشلا دريعا وتأخرت اكثر ممما يحتمل وربما قانونيا هي غير شرعية الآن. شكرا للكاتب على هذا التوضيح…...
التكملة
متابع
شكرًا للكاتب، أري انه لو يشرقوا والا يغربوا مالهم الا ما صلح عليه آباءهم وأجدادهم، كدولة موحدة ذات سيادة، مجتمعين حولها، اما الاختلاف فأذان بانقسام الوطن، عندها برقة وبرقة وحدها…...
التكملة
سالم عتيقه
احد الاخطاء القاتله للمجلس الانتقالى وبالخصوص مصطفى عبد الجليل هو التعديل المفاجىء للاعلان الدستورى لاختيار لجنة الدستور بالانتخاب المباشر والذى نتج عنه للاسف وجود هذه المجموعه التى تجهل تماما متطلبات…...
التكملة
محامي
لولا ضلوعك في قانون رقم 7 و قولك أن قواتنا دخلت بني وليد والمشاركة في قانون العزل السياسي... كان يمكن ان تكون شخصية يجتمع عليها الليبيون. قدر الله ما شاء…...
التكملة
ليبي وطني
كان مشهد غوار الطوشي (دريد لحام) وغنائه بكلمات "علي نخبك ياوطني" هو حالنا الان. نشكر الدكتور علي مقاله وتوضيحه المهم الذي لم تتطرق لها الصحافة او الاعلام من قبل، والذي…...
التكملة
متابع
اود ان اتقدم بالشكر للسيد الدكتور جمعة عتيقه علي ما قدمه في هذا المقال من معلومات مهمة قد تكون خافية علي الكثيرين. بالتأكيد دستور الـ 51 وتعديلاته الاحقة تجعل منه…...
التكملة
عبدالحق عبدالجبار
إسالة تدور في كل من يفتح علي اخبار ليبيا ... هل هي وطن بدون شعب .. او شعب بدون دولة ... او دوله بدون دستور ... او دستور بدون معترف...او…...
التكملة
أحمد تمالّـــه
للأسف، أثبتت اللجنة التأسيسية أنها غير قادرة على الخروج بدستور لعرضه على الشعب، وذلك لأن أعضاءها أخلطوا الامر، معتقدين أن واجبهم "صياغة دستور" وهذا خطأ، بل جهل بما يجب أن…...
التكملة
مفيد الزوبى
غلبت حكمة الحكماء المؤسسين وانتصرت روحهم الوطنية لتولد اول دولة ليبية حقيقية عام 1951لكن نحن الان فى ظرف يتسيده خريجوا السجون من مجرمين وتجار مخدرات وقتلة ودعاة سياسة حزبية وهم…...
التكملة