د. أحمد ابراهيم الفقيه: الدستور الليبي... ومعضلات تصنعها اللجنة 10/12/2015 23:07 د. أحمد ابراهيم الفقيه: الدستور الليبي... ومعضلات تصنعها اللجنة
د. أحمد ابراهيم الفقيه بحث

الدستور الليبي... ومعضلات تصنعها اللجنة

(حراك العودة الى الدستور الملكي يكتسب زخما جديدا)
 


لو لم اكن قد شاهدته شخصيا يتكلم على الشاشة الصغيرة، لما صدقت انه قال ما قال، واقصد بذلك السيد رئيس (الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور الليبي)، وهو يتحدث عن المعضلة الكبرى التي تواجه لجنته، وتسببت في تعطيل صياغة الدستور، كل هذه المدة التي  ستصل بعد شهرين الى مرور عامين على اقرارها، هو بالتاكيد رقم قياسي في صياغة الدساتير، فقد اخذت مثل هذه اللجنة مدة شهرين فقط في مصر التي نعلم مدى ما كانت تواجهه من صعوبات، ومدة اكثر قليلا  في تونس، وهما البلدان اللذان تزامنا مع ليبيا في انجاز ثورتيهما. المعضلة الكبرى التي يضعها كاول المعضلات المعرقلة لخروج الدستور، هي الاتفاق على عاصمة البلاد، وان لديه لجنة تم فرزها للنظر في هذه المعضلة، وان عملها ظل  مجمدا، ولعله سيبقى مجمدا تجميدا ابديا، فلا مانع من مضي عامان تتبعهما عامان، ولا داعي للعجلة فهي من الشيطان، ولتبق ازمات ليبيا تزداد استفحالا وتراكما، الى ان يحل السيد رئيس اللجنة هذه العقبة الكأداء.

ولا ندري كيف خفى على السيد رئيس الهيئة وعلى ستين عضوا هم جملة اعضائها، ما يعرفه كل مواطن ليبي آخر، وهو انه ليس هناك اجماعا في ليبيا على اي شيء آخر، مثل اجماع الليبيين على ان طرابلس هي العاصمة الابدية لليبيا، وهو ما  هتفت به جماهير الشرق الليبي في بنغازي والبيضاء وطبرق والمرج، قبل ان تهتف به مدن الغرب، او سكان طرابلس نفسها الذين يمثلون ثلث الشعب الليبي، فهناك مليونا نسمة في طرابلس وفق الاحصائيات الرسمية، من ستة ملايين هم مجمل عدد السكان، فكيف بعد هذه الحقائق الواضحة الناصعة، تصبح العاصمة معضلة، لدى رئيس اللجنة،  ان لم تكن مجرد تلكيكة لابقاء الدستور المزمع صياغته، مجمدا داخل الفريز، الذي اعده له رئيس الهيئة الدستورية، لاغراض يصعب التكهن بها ولا يعرفها الا علام الغيوب.

ولعله خيرا فعل، فهذا التجميد اعطى الفرصة لحراك حقوقي، تشريعي، دستوري، يتنامى في ليبيا،  من اجل العودة الى الدستور الملكي، واعتماده سبيلا الى مباشرة الدخول في بناء الدولة، استنادا الى عدة نقاط اجملها مناصرو هذه المبادرة في النقاط التالية:

اولا: حقيقة ان الدستور الملكي لم يبطله انقلاب التاسع والستين، بل قام بتعطيله بالقوة القاهرة، مما يؤكد استمراره وشرعيته ولا وجود لشيء قانوني دستوري ابطله.

ثانيا: اعتماد هذا الدستور اليوم في ليبيا، سينجيها من الفراغ السياسي والدستوري الذي يزيد من حدة الازمة ويهدد مستقبل البلاد.

ثالثا: العودة الى الشرعية الدستورية، سوف تحفظ سلامة وسيادة الاراضي الليبية ، وتدرأ اي محاولة للتجزأة والتشظي والانفصال.

رابعا: لا يمكن بناء مؤسسات الدولة والحفاظ على سيادة القانون وتعزيز حماية حقوق الانسان في غياب دستور يشكل الركيزة لبناء الدولة المدنية والديمقراطية.

وكما نعلم فهو دستور تم اقراره من حراك الاستقلال واباء الدولة الليبية الحديثة بقيادة الادريس السنوسي، وهو كما نعلم رئيس حركة دينية، فلا احد يمكن ان يزايد على ايمانه وعلى اسلامه، وكان قد اكتفى بان جعل مادة الدين في الدستور هي تلك التي تقول بان الاسلام دين الدولة، واقام دولة كفل فيها الحريات وعدم تدخل الدولة فيما يأكل ويشرب الناس ولا في اسلوب معيشتهم ووسائل الترفيه التي يختارونها وكانت بلادا مؤهلة للسياحة لانها لم تكن تحجر على السائح ان يسهر في ملهى ليلي اويتناول الكحول او يمارس الرقص في صالات مخصصة لذلك ، دون ان تتعارض هذه الملاهي مع الدستور باعتبار ان الاسلام دين الدولة وهو الذي يترك الخيار للناس كما جاء في القرآن مسالة بين الانسان وربه "وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر" صدق الله العظيم.

وتقول الادبيات التي تطالب بعودة الدستور الملكي بتعديله الذي تم عام 1964، انها عودة لفترة انتقالية من شأنها ان توفر الوقت والاطار القانوني اللازمين لتعديله واستفتاء الشعب عليه واقرار ما اذا ارادوا نظاما ملكيا او جمهوريا برلمانيا او رئاسيا. وهناك خبراء دستوريون كبار بينهم صديقنا الدكتور مسعود الكانوني، يقولون ان الدستور الملكي قائم شرعا، وان فترة الحكم الانقلابي فترة غير شرعية ، وتمثل انقطاعا حصل لظرف طاريء وارغام للشعب تم تحت السلاح، وبزوال الانقلاب يعود الدستور فاعلا وعاملا وشرعيا دون ادنى عائق قانوني. فالانقلاب لم يؤسس لحياة دستورية او نيابية ولم يعد الى الشعب في اي يوم من الايام، لاخذ رايه في وجود ذلك النظام او عدم وجوده. وهناك دفوعات دستورية قدمت في محكمة اسماها محكمة الشعب قدمها راجال القانون، كانت تقضى بلا دستورية النظام نفسها، انتهى الامر بتصفيتهم جسديا كما حدث للمحامي الشهيد محمود نافع ولناشطين قانونيين وحقوقيين مثل الشهيدين محمد حمى وعامر الدغيس عليهما رضوان الله.

وهذا الحراك الذي يدعو الى العودة للدستور الملكي نال دعما جديدا باتفاق تونس بين وفد مجلس النواب وبين وفد المؤتمر الوطني العام المنتهية ولايته، حيث اشار الاتفاق بان العودة الى هذا الدستور يشكل مطلبا شعبيا ويقدم حلا للفراغ الدستوري خاصة انه ينص في احدى مواده بان الحكومة في حالة وجود فراغ في السلطات التشريعية ان تمنح هي هذه السلطات الى حين انتخاب برلمان جديد، وهو ما يلائم الحالة الليبية. اما لجنة الستين المكلفة بصياغة الدستور، فانه لم يبق لها انقاذا لنفسها، وتجنبا لاهدار مزيد من الوقت، غير تبني الدعوة الى العودة الى الدستور الملكي، ولتتفضل بتقديم الاضافات والتعديلات، لكي لا يتجاوزها الزمان ويلفظها الشعب الليبي، والله ولي التوفيق.

* ينشر هذا المقال بالتزامن مع نشره في صحيفة العرب.

د. أحمد ابراهيم الفقيه

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
مريم المهدى
الملك إدريس الأول ، الذي اعتلى العرش بعد الحرب العالمية الثانية كان سليل الأمير السنوسي الأول، وتبين انه كان على حق في تردده بتوسيع حكمه وسلطته إلى طرابلس، ولو أن…...
التكملة
مريم المهدى
التمرد الذي حصل في بنغازي هو أساساً حركة انفصالية تهدف للانفصال عن دولة «تريبوليتانا» التي كانت دائماً دولة قائمة بذاتها، والتي هي اليوم مقر الحكومة المركزية، والمعقل الرئيسي للقذافي لمقاطعة «سيرينايكا»…...
التكملة
القنصل
فعلا صديقي الاستاذ احمد، الدستور الليبي يجب ان يعود لانه هو الشرعي وتم الانقلاب عليه بدون وجه حق. تعديله ممكن جدا ولايأخد اكثر من شهر....
التكملة
الجابية
دعك من هذا ... ما رايك في إبراهيم الكوني الكثيرون يعتقدون إنه روائي حقيقي ومثلهم كثيرون يقولون أن الغرب يرحب به لأنه يجسد الأدب السياحي يقصدون أن الفنتازيا التي تطفح…...
التكملة
حـسـن المنصــوري
ياسادة يا كرام، بعد هذا الكر والفر بالنسبة لانجاز عملية صياغة الدستــور المرتقب، ولو أنها قـــد تكون بعيــدة المنال، اقترح كرأي شخصي أن تتوج هيئة الصياغة هذه عملها وننهيه بتوصية…...
التكملة
د.شريف
شكراً للكاتب ، سوا يشرقوا والا يغربوا ما يلقوا خير من دستور 51 , الذي جمع الليبين تحت دولة موحدة ، ملكية دستورية ، الملك يملك ولا يحكم ، لكن…...
التكملة
berkawe
Why do we have to go back to the roots of what we are enduring Now??? 1951 constitution made for Dictatorial regimes, it suited the King( flimsy,clumsy) and what followed…...
التكملة
السياسي بنغازي
لقد اتفق الاباء المؤسسون و اخرجوا دستور لانهم اتفقوا بداية علي اسس تكوين الدوله العادله قبل كتابه الدستور حددوا شكلها و نظامها بينما لم يتفق مسبقا ممثلي الاقاليم في العصر…...
التكملة
عمر عبد السلام
ليقل السيد جمعة ما يقوله فهو في النهاية مواطن صاحب مهنة قانونية والحراك من اجل العودة الى الدستور الملكي فيه كثير من القانونيين وقد اشار الكاتب الى اسم الدكتور الكانوني…...
التكملة
مواطن
لقد رد د. جمعة عتيقه على هذا الموضوع بمقال له منشور في نفس صفحة ليبيا المستقبل، ويوضح عدم صلاحية دستور 51 ولا تعديلاته ليكون إطار للدولة الليبية اليوم، بسبب انه…...
التكملة