د. أحمد ابراهيم الفقيه: ما حدث للسجين السياسي السيد احمد الزوبير السنوسي 15/12/2015 12:58 د. أحمد ابراهيم الفقيه: ما حدث للسجين السياسي السيد احمد الزوبير السنوسي
د. أحمد ابراهيم الفقيه بحث

ما حدث للسجين السياسي الذي قضى اطول مدة
في سجون القذافي السيد احمد الزوبير السنوسي

 


حرصت على ان التقي به، بعد اسابيع قليلة من اطلاق سراحه من سجن استمر اكثر من ثلاثين عاما، وهي مدة حطم بها الرقم القياسي لاية مدة قضاها سجين  سياسي في سجون الطاغية الليبي، وكان عندما اطلق سراحه اقدم سجين في العالم اجمع. وبسبب الصداقة التي تربطني بشقيقه الشاعر الاستاذ راشد الزبير السنوسي، فقد انتهزت فرصة زيارة قصيرة قمت بها الى بنغازي، لاتصل بالاستاذ راشد الذي رتب موعدا على الغداء في بيته للالتقاء بشقيقه السيد احمد، وكنت انتظر ان ارى رجلا هدته ثلاثة عقود من الاقامة في سجون نظام استبدادي لا يراعي لسجنائه حقوقا ولا يعترف بقيم انسانية، خاصة لمن كانوا خصوما سياسيين له ولرئيسه الذي صنع لنفسه مركزا يطاول الالهة في قدسيتهم وجلالهم وينافسهم في احلال لعناته على من يتجرا على نقده، وفوجئت بانني ارى رجلا يطفح وجهه بنور الصفاء والهناء وقوة الروح وسلامة الوجدان وعافية البدن، كأن السجن لم يكن سجنا من سجون ليبيا السيئة السمعة، وانما نزهة في رياض النعيم، والبهجة، وكان همي في ذلك اللقاء ان اعرف منه سر هذا النور الذي يفيض به وجهه، وهذه العافية الروحية والنفسية والبدنية التي حافظ عليها خلال ثلاثين عاما ونيف من عمره الذي قضاه خلف القضبان.

انها معجزة، قلت له، ان يحتفظ الانسان بملكاته العقلية سليمة، في مثل هذا السجن، خلال مدة كهذه، اما ان يحتفظ بعقله سليما وروحه المعنوية سليمة، وجسده ايضا سليما، قادرا على الصمود لاهوال السجن خلال هذا الزمن الطويل، فهي بالتاكيد ام المعجزات، فزادني من تفاصيل سجنه ما ملأ قلبي رعبا، فقد قال ان كثيرين لا يصدقون انه قضى اغلب سنوات سجنه في  زنزانة انفرادية، لا يرى فيها احدا ولا يكلم احدا الا نفسه، ومثل هذه الزنزانة الانفرادية هي سجن داخل السجن، لانها تزيد على عقوبة منع  الانسان من الخروج الى عالم ما خلف الاسوار، عقوبة الوحدة، وعقوبة الصمت، والحرمان من اي تواصل انساني او حتى غير انساني مع حيوان اليف مثلا، الى حد ان السجن الانفرادي يجعل الانسان احيانا يتعاطف مع حشرة تدب على الحائط برغوثا او صرصارا او خنفسة يخرجها له حظه السعيد من ثقب في الحائط، ليحس مع وجودها بالونس، وتبدد بالنسبة له شيئا من وحشة العزلة، ثم اضاف تفصيلة اكثر رعبا، وهي ان الحكم الذي صدر ضده بالاعدام عام 1970 (وكان قد تم اعتقاله في يوم 28 اغسطس 1970، واتهم هو شقيقه الشاعر راشد، بالمشاركة في محاولة انقلابية سميت محاولة "الابيار") وصدر الحكم من المحكمة الصورية العسكرية التي لا تخضع لاية مرجعية  قانونية ولا دستورية، ولا تحتكم الا الى قانون قراقوش الليبي، وتحول الاعدام الى حكم بالسجن المؤبد، ولكن امعانا في تعذيبه، لم يخبره احدا بان حكم الاعدام قد رفع من فوق عنقه وتحول الى سجن مدى الحياة، ولهذا عاش ينتظر تنفيذ الحكم عليه بالاعدام في اية لحظة، وكانت ممارسة متكررة من اهل السجن، اقتحام الزنازين، واخذ احد رفاق السجن، كي يتم اعدامه، وقال ما جعلني احس بان مثل هذه المعاناة  فوق مستوى الرعب، وان تكرار عملية كتلك التي تكررت معه كان يجب ان ترمي باي انسان الى مهاوي الجنون، وهو انه كان كلما جاء طارق جديد من اهل السجن الى منطقة الزنازين، استعد بقراءة الشهادتين وهيأ نفسه للموت، لانه كان يظن ان الطارق انما جاء ليأخذه لتنفيذ حكم الاعدام الصادر بحقه، وقال ان مثل هذا الامر كان يتكرر عشرات المرات  في كل عام من اعوام سجنه التي زادت عن ثلاثين عاما، بل اكثر من ذلك انه حتى في اخر يوم في السجن، وقد جاءوا للافراج عنه، ظن انها لحظة النهاية، وانه اخيرا حان موعد تنفيذ الحكم، وفوجيء بان اقتحام منطقة الزنازين واستدعائه للخروج لم يكن لتنفيذ حكم الاعدام وانما لاستنفاذ مدة الحكم بالسجن المؤبد، وانها لحظة اطلاق سراحه من السجن.

وعلمت فيما بعد كيف جاء هذا الافراج عنه، فقد حدث ان عرف رئيس النظام الليبي، نقطة الضعف لدى الزعيم الاسطوري نيلسون مانديلا، فاستغل هذه النقطة وصار يقوم بعمليات ابتزاز للزعيم مانديلا، وتسخيره لقضاء اغراضه الدنيئة، الى حد ان ارسله وهو شيخ على مشارف التسعين، الى اسكتلندا، ذات الصقيع الخرافي، لكي يتوسط له في اطلاق سراح عضو المخابرات الليبي المدان بتفجير طائرة البان اميريكان فوق قرية لوكيربي،  ونقطة الضعف هذه كانت مطلقة الزعيم المسماة ويني مانديلا، فقد كانت تطمح للقيام بدور قيادي بين السود في بلادها على غرار مطلقها، واستقطبت عددا من اهل التطرف من بني قومها، واتجهت تريد تمويلا من المصدر الوحيد في العالم الذي يفاخر بتمويل المتطرفين،  ليبيا القذافي، الامر الذي يقف مانديلا معارضا له، ويتطوع لقضاء حاجات الزعيم الليبي، من اجل ان يحجب دعمه للخط المتشدد الذي تنتهجه  مطلقته، والذي يراه يمثل تهديدا وتقويضا للسلام الاجتماعي الذي تحقق في بلاده بين البيض والسود، المهم ان السيد مانديلا، وجد امامه في بهو الفندق، مواطنا ليبيا من معارضي سلطة الانقلاب، يعبر له عن اسفه لانه يعجز عن رؤية الطبيعة الاجرامية للنظام الليبي ورئيسه العقيد القاتل، وعندما قال انه جاء من اجل اطلاق سراح سجين ليبي تعتقد ليبيا ببراءته، ابلغه ان الاحرى به ان سعي لدى صديقه العقيد لاطلاق سجينه السياسي الذي قضى اطول مدة في العالم، كما تشهد بذلك منظمة العفو الدولية، لا ان يسعى للافراج عن مدان باكبر جريمة في التاريخ الحديث ذهب ضحيتها 270 قتيلا بريئا، ولعل مانديلا ظن ان المعارض الليبي، يروج اشاعات كاذبة لتشويه النظام، ولذلك فما ان وصل راجعا الى ليبيا والتقى بصاحبه العقيد، حتى ساله ان كان حقا لديه سجين امضى اكثر من ثلاثين عاما في السجن، وكعادته ادعى انه لا يعرف شيئا عن امر هذا السجين، وصرخ في اعوانه معبرا عن غضبه لانهم لا يخبرونه بمثل هذه الحالة، وسالهم ان كان حقا موجودا ان يغربوا عن وجهه ولا يعود احد منهم اليه الا بعد اطلاق سراحه. وبالتاكيد فانه لولا هذه الصدفة التي قادت الزعيم مانديلا الى اسكتلنده، ولقائه بالمعارض الليبي، لبقى السيد احمد الزوبير السنوسي منسيا في غياهب السجن الى يوم انتهاء النظام.

ولم اكن اعرف كثيرا عن سابق حياة السيد احمد الزوبير، ولا عن طبيعة التهمة التي ادخل بسببها الى السجن، واعتقد ان قرابته بالملك لعبت دورا في هذا السجن وهذا الحكم القاسي الذي اوقع به،  وان التهمة التي وجهت اليه هي المشاركة في مؤامرة تستهدف اعادة الملك للحكم، بينما التاريخ يقول انه تعرض للاذى كغيره من افراد الاسرة السنوسية على يد الملك نفسه، اثر حادث اغتيال المرحوم ابراهيم الشلحي علي يد احد شباب العائلة، وكان السيد احمد في ذلك الوقت من منتصف الخمسينيات عضوا في بعثة عسكرية الى العراق، وقطعت عنه المنحة التي تعطى لمثله من المبتعثين فاكمل بفضل تعاون رفاقه من اعضاء البعثة، وعندما عاد كان ممنوعا من دخول الجيش واستلام رتبته فيه كما حصل لبقية الزملاء، وضاقت به سبل العيش في بلاده فرجع الى بغداد الا ان طبيعة العلاقة بين النظامين الملكيين حالت بينه وبين الالتحاق بالعمل هناك، الا بعد ان زال الحكم الملكي في العراق ووجد من ساعده في الالتحاق بعمل في المخابرة العسكرية، بعد ان قضى مدة في سوريا، وبقي مبتعدا عن بلاده الى عام واحد قبل الانقلاب، اي 1968، حيث عاد لكي يستفيد بمدخراته في الاستقرار ومباشرة عمل حر يقيم اوده بعيدا عن الحكم والسلطة.

وجاء الانقلاب الذي اطاح بالملك، ووجد نفسه مطاردا مرة اخرى، بسبب قرابته من الملك، الذي لم ينل علي يده الا التشرد والبطالة، ثم وجد نفسه وشقيقه الشاعر راشد الزوبير السنوسي، مقبوضا عليهما بسبب المشاركة في مؤامرة ضد النظام الجديد، ونال هو حكما بالاعدام بسبب خلفيته العسكرية، وقضى شقيقه مدة في السجن ولم يخرج الا فيما سمي اصبح الصبح عام 1988، بينما ظل السيد احمد الزوبير السنوسي سجينا  ضمن من تم استثناؤهم من هذا العفو.  

واعطيت للسيد احمد سمعي كله، وفكري كله، وانا انصت الى رده عن سؤالي الذي يتصل بكيف استطاع ان يحمي نفسه من الاثار المدمرة لهذا السجن ونحن نعرف ان ثلاثين ساعة في سجن القذافي يمكن ان تخلق شرخا في نفس السجين فكيف بواحد وثلاثين عاما، ثلاثة ارباعها سجنا انفراديا، فكان لابد ان استمع له بكل جوارحي وهو يقول انه قرر مواجهة الحالة التي وجد نفسه فيها، باستراتيجية حافظ على تطبيقها خلال العقود الثلاثة ونيف من سجنه، وهي التي صانته روحا وعقلا وبدنا، وتتكون من ثلاثة محاور اختم بها هذا الحديث عن السجين الذي سجل رقما قياسيا بين السجناء السياسيين في العالم، امده الله بالصحة والعافية، والذي دخل السجن وعمره 37عاما وخرج منه وعمره 68، بانتظار ان نقرأ سيرة حياته كما سطرها بقلمه، لانها سوف تكون درسا للاجيال القادمة، ووثيقة من وثائق الادانة للعهد الانقلابي الاجرامي الدموي، وهذه هي المحاور:

1- المحور الاول محور الطعام داخل السجن، فمعروف ان طعام السجن في سجن النظام الليبي لن يستهدف  الا تدمير صحة الانسان، وفي نفس الوقت فهو لا يستطيع الاستغناء عنه، لانه لاسبيل للاستمرار في الحياة دون طعام، وكان الحل هو الصيام، والاستغناء عن هذا الطعام الا في حده الادني الذي يقيم الاود. فصار كل شهر قضاه في السجن هو شهر رمضان، وينطبق عليه التعبير الشعبي الذي يطلق على بعض اهل الطريقة واهل الله من الصائمين الدائمين الذي يسمى الواحد منهم "صائم الدهر".

2- المحور الثاني كان الصلاة، ففي ظل انعدام الحركة داخل الزنزانة، فمداومة الصلاة ركوعا وسجودا طوال الوقت، لم يكن فقط اداء لطقس ديني، وفريضة من الفرائض الخمس، وانما كان تمرينا بدنيا وروحيا ونفسيا، حافظ خلاله على سلامة بدنه وسلامة عقله وسلامة روحه، خاصة وهو يواجه الحياة في زنزانة انفرادية قضى اغلب سنوات سجنه فيها، بل زادت  سنوات سجنه الانفرادي عن غيرها من سنوات فقد بلغت في مجموعها 18 عاما.

3- المحور الثالت الذي استعان به على مواجهة هذه المدد الطويلة من السجن الانفرادي، وغير الانفرادي، وغياب الحوار، والانشغال بالتفكير فيما يعانيه من ظلم، وفيمن تركهم من اهل خارج السجن، بينهم ام واب لاقا وجه ربهما اثناء وجوده في السجن، هو ان يخلق بديلا للحوار مع البشر، حوارا مع الله، والانشغال الدائم بخالق الكون، ولا سبيل الى تحقيق ذلك الا ان يجعل القرآن هو شاغله ليلا ونهارا، وه جعل كتاب الله، تلاوة واستحضارا وتأملا وتفكيرا، في كل ساعة من ساعات النهار والليل، هو دينه خلال واحد وثلاثين عاما من اعوام السجن الذي بدأ يوم 28 اغسطس 1970 وانتهى يوم 28 أغسطس 2001.

الخلاصة صلاة مستمرة كانها ركعة واحدة مداها مدة واحد وثلاثين عاما... صياما دائما لا ينقطع تحول فيه العمر الى شهر صيام لمدة واحد ثلاثين عاما... وتلاوة للقرآن في نفس واحد لا يتوقف ولا ينقطع اثناء يقظته لمدة واحد وثلاثين عاما... وهي قصة يستحق ان يرويها صاحبها بكل تفاصيلها للاجيال.

د. أحمد ابراهيم الفقيه

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
سالم عمران
انا اصبحت على قناعة تامه بان من يبالغ في تسفيه النظام السابق بلغة وكيكه شوارعيه، فهو امام امرين ..محاوله لاخفاء امرا ما او له مشكله شخصيه جدا مع القذافى او…...
التكملة
محمد صالح
يا أحمد الفقيه، المثل الليبي يقول: هللي تشكره يصعب عليك إتدمه. وقد صدق فيك قوله تعال: "وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ﴿٢٢٤﴾ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ﴿٢٢٥﴾ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ…...
التكملة
د.شريف
اجد نفسي متعاطفاً مع الكاتب رغم ما قد قيل عنه ، وما منا نحن الليبييون من لم يصفق او يهتف بحياة المقبور الذي كنّا يوما من ايام تحت حكمه و…...
التكملة
ابو احمد الشريف
قال عيسي عليه السلام (من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر)...
التكملة
هل صحيح؟٢
بداية أشكرك أستاذ احمد على تجاوبك السريع، وقد فرغت لتوي من قراءة المقال الذي وضعت له رابطا بغرض تبرير موقفك والدفاع عن نفسك... ويؤسفني أنني لم أجد فيه مايقلل من…...
التكملة
متابع للشان السياسي
السيد. الزبير السنوسي احرق كل تاريخه النضالي عندما قام بإعلان قيام فدرالية برقة كدولة مستقلة حدودها تنتهي في الوادي الأحمر عام2012م وقام بجهود كبيرة مع الكثير من الدول في سبيل…...
التكملة
احمد ابرهيم الفقيه
اقول لصاحب سؤال هل صحيح هبه صحيحا وبناقص قاريء اذا كان هذا ما تختاره يا اخي، واقول بناقص قاريء لانك اذا كنت قارئا ومتابعا عرفت انني كتبت عن 17 فبراير…...
التكملة
هل صحيح؟
هل صحيح؟ بدون الاعتراض عن رأي سيادة الكاتب في الشيخ أحمد الزوبير أود أن أسأله هذه الأسئلة المحددة وأتمنى عليه إن يجيبها بنفس الصراحة التي أطرحها بها. أولا: أين كنت سيدي…...
التكملة
عبدالله
يجب أن لا يغيب عن الذهن أن من متطلبات صنع الرموز وخداع السذج وما أكثرهم السجن للشخص المطلوب أن يكون له دور حتى بعد عدة عقود!!!!...
التكملة
مفتاح الاوجلي
للأسف السيد احمد الزبير لم يحافظ على تاريخ سجنه ودخل الى مستنقع السياسة والفتنة وتقسيم ليبيا وتم عصره مثل الليمونه ورميه.
...
التكملة
رجل من الشرق
كلمة للشعب الليبي من رجل من رجالات الشرق: سبب إنتكاس ثورة 17 فبراير هو خيانتنا لها عندما بدأنا برفع رايات الإنقسام و إعلاؤها على راية الإستقلال التي وحدت كلمتنا من…...
التكملة
طه
شكرا يا دكتور...بصراحة مقال واحد لا يكفي عن هذا الرجل وانا اقترح رواية من ابداع حضرتك عنه وعن غيره من ضحايا القهر...
التكملة
عادل مصباح
بصراحة عن اى نضال تتحدثون!! انا كشاب ماشاهت عليه من هذا الرجل الا الفتنة و التفريق بين الليبين انا اعتقد من حق جميع الناس ان تختار انتماءه و فكره لكن…...
التكملة
محمود درميش
قصة جميلة لنضال رجل من رجال برقة وحفيد المجاهد الكبير السيداحمد الشريف السنوسي. فى انتظار قصة نضال الكاتب خلال الخمسين سنة الماضية لعلها تكون درساً للآجيال....
التكملة