د. أحمد ابراهيم الفقيه: تأملات في عيد الاستقلال 24/12/2015 03:01 د. أحمد ابراهيم الفقيه: تأملات في عيد الاستقلال
د. أحمد ابراهيم الفقيه بحث

انتمي الى جيل في ليبيا اسعد حظا من اسلافه، فقد ولدت في اعقاب الحرب العالمية الثانية، عشية زوال الاستعمار الايطالي عن البلاد، وتفتحت مداركي  على دولة الاستقلال، يرفرف فوق سمائها علم يرمز الى حريتها، ولها ملك ودستور وبرلمان، ويتولى مقدراتها رجال من اهلها، وفي حين كان جيل الاباء، الذي عاصر العهد الاستعماري، سعيدا بما تحقق للبلاد، كنا نحن الجيل الذي ولد اثناء المرحلة الانتقالية، ودخل المدارس وترعرع تحت راية الاستقلال، كثير الشكوى والتدمر، مما يراه استقلالا ناقصا، ودولة لم تستكمل شروط الدولة الحرة، ولم تتوفر للمواطن فيها كامل الحقوق والمزايا التي يتمتع بها المواطنون الاحرار في البلاد الاخرى.

كنا ننظر الى العالم الذي حولنا، نقارن حالنا بحاله،  ونجد قاعدة عسكرية بريطانية،  واخرى امريكية، فنعتبر ذلك تبعية ووصاية وانتقاصا من حرية بلادنا، ونخرج صارخين نطالب بالجلاء التام او الموت الزؤام، وننظر الى دول مجاورة فنرى حراكا سياسا اهليا ينتظم في احزاب ذات مشارب ومذاهب متنوعة، فنجأر بالشكوى من الحكم الجائر في بلادنا الذي يمنع الاحزاب، ويعمد بعضنا الى عمل احزاب تحت الارض، وخارج القانون، تصدر المناشير ضد الدولة، وتطالب بالانقلاب على نظام الحكم، وتحدث صدامات ومعارك بين الناس وبين الحاكمين، لحظة القبض على هذه الاحزاب السرية، ويتعاطف سياسيون من اهل الوطنية مع شباب الاحزاب، وشباب المظاهرات،  وتتكون منهم معارضة في البرلمان، تحرج الملك واعوان الحكم، وتكون الوسيلة التي تراها الحكومة لمنع احراج الملك، هي تزييف الانتخابات، ومنع المعارضة من الوصول الى البرلمان، وتتفاقم الازمة بين الشارع واهل السلطة، وتتراكم الازمات، ولم يكن التأجيج الاعلامي القادم من شرق البلاد، بعيدا عما يحدث، وصب الزيت على  نار الصراع، ولم تكن القوى الغربية التى رات ان مصالحها مهددة بمثل هذا التأزم، يمكن ان تقف عاجزة عن التدخل، فتضافرت كل المعطيات المحلية والاقليمية والدولية، لاعداد المشهد للقادم الجديد، اي النظام الانقلابي العسكري، الذي وضع حدا لذلك الدلال الذي تعاملت به السلطات الملكية مع معارضيها، وكمثال على هذا النوع من الدلال، ان حزبا مناوئا للدولة، يعمل تحت الارض، له ارتباطات خارجية، وايديولوجية قومية عابرة للحدود، هو حزب البعث، ثم ضبطه وتجريمه وادانته، وكانت العقوبة التي قضت بها المحكمة على قادة المجموعة، هي السجن عامين لكل منهم،  بينما كانت العقوبة التي حددها رئيس النظام الانقلابي لاي معارض، وقبل المثول امام اية محكمة، هي كما تقول احدى مقولاته: "الموت هو الحد الادنى لاي معارض او متآمر على النظام الثوري" اما الحد الاعلى فمتروك لخيال الناس يتصورنه كما يشاءون.                                        

وعاشت البلاد مع الانقلاب شهر عسل شديد الاختصار، لم يتجاوز ستة عشر يوما،  فمع يوم 16 سبتمبر ذكرى استشهاد البطل عمر المختار، بدأت ملامح الوجه البشع للنظام الجديد تظهر مع ظهور قائد الانقلاب، عندما القى خطابا بالمناسبة، تجلت فيه علامات الطيش والغرور والعنجهية والتوجه الاستبدادي، وقبل نهاية عام 69، ولم تمر اربعة اشهر على الانقلاب، حتى بدا الاعلان عن المؤامرات، تعقبها المحاكم الصورية، وصدور احكام الاعدام، وعندما تخطيء محكمة صورية عسكرية في الحكم بعقوبة السجن المؤبد على المتهمين، تنظم حكومة الانقلاب مسيرة شعبية، تتكون عادة من افراد البوليس السري، يرتدون ملابس مدنية، ويصرخون بشعار صار لازمة ترددها هذه المسيرات تقول " الشعب يطالب بالعيدام" والمقصود طبعا الاعدام، دون شرح ولا تفسير كيف استطاع الشعب ان يقرأ المحاضر، ويتأكد من الجرم وانه يستحق عقوبة الاعدام، ولكنه استهزاء بعقلية المجتمع، وعبث بالرأي العام، واهانة لمبدأ العدالة والقانون والقضاء.

بدأت مسيرة القمع والسفه واذلال الناس، وصار اغلب المواطنين، ينظرون الى  العهد الملكي باعتباره حلقة ذهبية مفقودة، بكل ما شابه من عوار، وكل ما خالط سياساسته وممارساته من اوجه التقصير والقصور، لانه كان خارج تلك المماحكات السياسية، عهد تنمية وبناء، وتحسين مستمر ومتواصل لمتسوى معيشة المواطن، والارتفاع باداء الدولة خاصة في مجالات  الخدمات الصحية والتعليمية والمواصلات، وكان الفساد موجودا، ولكنه محدود جدا، ومحصور في اضيق نطاق، وكان الملك نفسه اشبه بالقديسين في سلوكه المهني وذمته المالية،  ولم يكن احد، بما في ذلك صديق من اصدقاء النظام الانقلابي مثل الكاتب السياسي الشهير محمد حسنين هيكل، يظن انه نظام قابل للاستمرار، وان راس النظام الذي جاء يبني خيمته على تخوم عالم جديد يتفجر بالفتوحات العلمية والعولمية، وعالم تقليدي يتقوض وينهار، يمكن ان يصمد في مواجهة رياح العصر التي ستطوح به وبخيمته خارج الحكم والنفوذ.

الا ان القوى الخفية المجهولة في العالم، التي تعمل خلف كواليس بيوت الحكم المعروفة، من الكريملين الى البيت الابيض، ومن عشرة داونينج ستريت، الى الايليزيه، لها راي اخر، وكانت صيروة استنزاف ثروات هذا الوطن النفطي، تقتضي استمرار واجهة تتميز بالنزق والسفه والعته، تخدم اغراضها ومصالحها الى اخر مدى ممكن. ولم يكن لدى هذه القوى مانعا من اعطاء هذا النظام انتصارات مجانية في بداياته يتعيش عليها مثل اجلاء القاعدتين الامريكية والبريطانية، بعد ان استنفذت الاغراض المستهدفه من اقامتهما.

هذه وقفة تامل استوجبتها ذكرى مولد  دولة الاستقلال في يوم 24 ديسمبر الذي يحل هذا اليوم.

د. أحمد ابراهيم الفقيه

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
الصادق سالم
شكرا ياسيد سليمان خليل فقد قلت ماكنت اريد قوله، احسنت وبارك الله فيك....
التكملة
صعلوك
آمل من الدكتور الفقيه الرد على تعليق الاستاذ سليمان خليل... لأني ممتلئ بهذه الأسئلة حتى الثمالة....
التكملة
طه
الى السيد سليمان خليل:عشاق الزمن الجميل لا يقراون لانهم لو قراوا مذكرات الصيد وبن حليم والسني المنتصر و البوري ووثائق الخارجية البريطانية الخ....وحتى تصريحات البكوش وشنيب وغيرهم بعيدا عن كذب…...
التكملة
ابوفارس
اتوجه بهذا التعليق للسيد سليمان خليل. لا اعتقد ان ما كتبه د. احمد ابراهيم الفقيه يستحق هذاالهجوم الشرس واتهامه بإعتباره مسؤلا مباشرا عن تصرفات ونزوات وشطحات القذافي. يفترض ان ينصب…...
التكملة
وطني
تحية لرجال ونساء ليبيا الشرفاء. الله يبارك فيك وولديك ياسيد سليمان خليل,لقد اصبة كبد الحقيقة,ومزيد من تعلقاتك التنويرية.
...
التكملة
سليمان خليل
3
معذرة يا أستاذ ولكن وقفتك ناقصة ، فتسامح الملك وحكوماته مع المعارضين الذين غسل أدمغتهم وسلب ارادتهم راديو "صوت العرب"، ومقالات هيكل وانبهروا بكل ماهو قادم من خارج…...
التكملة
احمد المصراتي
أستاذ احمد تحليلك ممتاز ولكن هات من يفهم، عشنا في دولة القانون ايام حكم الملك الصالح كانت دولة بمعنى الكلمة ، انضباط اخلاص وطنية لو استمرت تلك الدولة لكان لها…...
التكملة
ابواحمدالشريف
اليوم 24 ديسمبر 2015 وبالامس ينعقد مجلس الامن لاجل ليبيا وشعبها،اليوم ذكري مرور 64 عاما علي يوم اعلان الملك الصالح محمد ادريس السنوسي،استقلال ليبيا، لم يكن استقلالا ناقصا، لم يكن…...
التكملة
مفيد الزوبى
اكمل ياسيد احمد وان تستعرض مراحل الدولة الليبية التى ظهرت فى 24ديسمبر 1951ثم عندما مرت بفترة الانقلاب 1969ثم ماذا عن مرحلة 17فبراير 2011 لماذا لم تستعرض ملامحها وإنجازاتها ومسارها ؟اليس…...
التكملة