د. أحمد ابراهيم الفقيه: بعيدا عن المشككين 25/5/2011 20:54 د. أحمد ابراهيم الفقيه: بعيدا عن المشككين
د. أحمد ابراهيم الفقيه بحث

أقرا واسمع احيانا كلاما يكسر الرقبة، كما يقول التعبير الشعبي الليبي، عن هذه الثورات المباركة التي هبت وتهب على بعض ارجاء الوطن العربي، والتي جاءت لتصنع ربيعا لارض عرفت فصول الصيف والخريف والشتاء، دون ان تعرف في عصرها الحديث فصل الربيع، فقد اختفى هذا الفصل بعد ان شحت الغيوث، وامحلت النبايع، وسكتت العنادل عن الغناء، وتحولت الحدائق الى يباس وذبول.

وفي هذا الكلام العاطل الباطل الذي يكسر الرقاب، مقدار كبير من خطل التشكيك في مصير هذه الثورات، يزرع اليأس في النفوس ويهز ثقة الناس في المستقبل، ويفتش عن اثر الجينات وعوامل الوراثة، منذرا بكارثة ان تصاب هذه الثورات الوليدة بامراض الماضي وعلل الانظمة القديمة تتسرب اليها عبر بلازما الدم، وتعيقها عن ممارسة الحياة الطبيعية، فيصبح غد هذه الاقطار التي صنعت الثورة تكرارا لامسها واعادة انتاج لما عرفته من استبداد وطغيان وسفه ولصوصية واجرام، الى حد ان سمعنا صوتا يقول تعليقا عما يحدث في مصر وتحذيرا وتشكيكا في المستقبل بان مصر قد تصل الى حالة يقول فيها الناس يا يوم من ايام مبارك المخلوع.

واذا كان هذا ما يقوله المشككون في ثورة انجزت مهمتها، وحققت النتائج المبهرة التي استهدفتها، وازاحت بمسيرة سلمية عبقرية نظاما متجذرا كالسرطان في لحم ودم الوطن لمدة ثلاثة عقود، وحطمت اسوارا عالية عاتية كانت تمنع تد فق النور والنماء والحرية والحياة لهذا الوطن، وتفتح الطريق باتجاه العبور الى غد النهضة والتقدم والتجدد الحضاري الذي يتلألأ بانوار تبهر الابصار، فماذا سيقول هؤلاء المشككون عن الثورة في ليبيا التي ما زالت تخوض حرب تحرير ضد الطاغية والته الحربية الاجرامية المرعبة التي لا تحكمها قواعد الاخلاق ولا منازلة الرجال للرجال، وماذا سيقولون عن سوريا واليمن وهما قطران يعيشان نفس المخاض، وارى ان هذا الكلام الذي يسوقه المشككون كلاما بائسا يستخدم منطقا فاشلا فاسدا لانه ينسى المنطق الجدلي الذي يحكم ثورات الشعوب عبر العصور، ويهمل الصيرورة التاريخية التي تقودها اسس معرفية وفلسفية وحضارية جعلت ازهى العهود الديمقراطية تولد من رحم اعتى واقسى انظمة التسلط والطغيان ولننظر الى معطيات الواقع الدولي حولنا وشواهد التاريخ خلفنا، وماذا حدث لالمانيا بعد النازية وايطاليا بعد الفاشية ودول اوروبا الشرقية بعد طغيان الانظمة الشيوعية وامريكا اللاتينية بعد سقوط بينوشيه وجالتييري وبيرون وغيرهم من جبابرة الطغاة واصحاب القبضة العسكرية، ولا ادري ان كان من يقول هذا الكلام من ابناء هذه الاقطار العربية التي تصنع ربيعها، كان يعيش تحت هذه الانظمة الاستبدادية مثلنا، ويعاني معاناتنا ومعاناة اهلنا ممن عاشوا واعناقهم تحت نعل الحاكم المتجبر المستبد،ثم شاهد المواطن من هؤلاء نفسه واحس وعاين وانتشى لحظة انزياح هذا النعل عن عنقه، ورفع راسه في اندهاش وتبدى واقفا يرى الشمس ويستنشق الهواء بعد ان كان وجهه مدفونا في الرغام، فهل تراه سيطلق صرخة فرح تعبر عن احساسه بالنجاة، ام يبقى جالسا باكيا نادبا حظه، لان المستقبل يمكن ان يحمل له طاغية جديد يضع نعله فوق عنقه ويعيد وجهه الى الرغام، لان هذا بالضبط ما يفعله المشككون، واراهم في حقيقة الامر مثل النائحات المحترفات اللاتي يكرهن رؤية عرس يمتليء بالزغاريد والغناء والبهجة.

وساترك ما يقوله المشككون عن الثورارت الاخرى،لاهل هذه الثورات يردون عليهم، فربما هناك من يرى جانبا ايجابيا في كلام المشككين، يستنهض الهمم للاحتراس والحذر واليقظة في مواجهة القوى التي يمكن ان تتربص شرا بهذه الثورات، واقصر حديثى عن الثورة الليبية التي اعرف دوافعها واعرف الاهداف التي تسعى الى تحقيقها، وقد التحمت بها واعرتها صوتي ليكون واحدا من الاصوات التي تعبر عن اشواقها وامالها وطموحاتها، وتصور معاناة ونضالات اهلها وتبشر بانتصارها القريب، واقول بانه لا تراودني ذرة شك واحدة في ان فصلا من اكثر فصول التاريخ الليبي الما وقسوة واظلاما واجراما قد انقضى الى غير رجعة، وان فصلا جديدا يكتب الان، مرسوما بازهى الوان العزة والكرامة والحرية والابداع والمجد، واقول نعم لقد كان الثمن باهظا والمعاناة عظيمة والالم كبيرا، ولكن في اتون هذه المعاناة وهذه الالام وهذه المكابدات تنصهر مكونات الشعب الليبي في سبيكة ذهبية تشع جمالا وبهاء، وفي نار هذه التجربة صارت تذوب وتحترق احقاد وتناقضات، وتسقط نعرات اثنية ومذهبية وفروق فكرية وايديولوجية وقبلية، وعلل وادواء كان يغذيها نظام الاستبداد والطغيان الذى استعار كل اساليب وادوات المستعمرين وتراثهم في التفريق وزرع الفتن وايقاظ النعرات الرخيصة في قلوب المواطنين عملا بحكمة الغزاة الخالدة، فرق تسد، ولعلنا ناسف لان فترة النضال ضد الطاغية قد طالت وان حجم التضحيات فاق كثيرا ما كان مقدرا لهذه الثورة ان تدفعه، ولكن ذلك كله لم يذهب دون ثمن هو تعزيز اللحمة الوطنية بشكل غير مسبوق عبر هذه المسيرة النضالية، وتحرير الذات الليبية وتطهرها من ميراث الطغيان والاستبداد وفك الارتباط بالمقولات الفاسدة التي سوغ بها حكمه وسقوط شعاراته التي البسها لبوس الايديولوجيات العتيقة بينما كانت مجرد تمويه وخداع وزيف وكذب، كما سقط التعصب الديني الذي لم يكن الا الوجه الاخر للكبث السياسي وانسداد الافاق تحت حكم الطاغية، وبدأ اهل البلاد يلتقون عبر هذا المخاض الثوري ويحققون اجماعا وتوافقا حول توابث الدولة الحديثة العصرية التي طلقت طلاقا بائنا اساليب وممارسات عهد الطغيان والاستبداد، حين غاب الدستور والغي القانون وضاعت مباديء المحاسبة والمساواة بين الناس، فلا عودة الى تكميم الافواه وسد الحناجر بالطين وتكبيل ايدي المواطنين واقدامهم بالسلاسل ليكونوا رقيقا للطاغية، وانما احرار في صنع مقدراتهم ومصائرهم وبناء مستقبلهم وتحديد اولويات حياتهم، سواء امام القانون والاحتكام الى الدستور الذي يقومون بصياغته بما يتفق وطموحاتهم وما يستجيب لمتطلبات حياتهم، دولة المؤسسات السياسية الدستورية والتعددية الحزبية والمجتمع المدني وتنوع الاراء والافكار والرؤى وحرية القول التعبير والتفكير والبحث والتجمع، واحترام ثقافة الاثنيات والاعتراف بالعقائد دون اجبار ولا اكراه الا ما يرتضيه الانسان بحسه السليم، دولة تحدد فيها المسؤوليات والمواقع والفصل بين السلطات وعدم الخلط بين الدين والسياسة فالدين لله والوطن للجميع، وتربطها بالعالم اجمع علاقة تفاهم وتفاعل خلاق بعكس علاقة التوتر والصدام والكراهية التي كانت سائدة في عهد الاستبداد. دولة تحفز المواطن على الابداع والخلق وتحفظ له حقوقه وتضمن له كرامته وحيثيته التي كان يطمسها النظام وتحدد له واجباته ومسئولياته وتستهل عهدها بمباشرة الاصلاح السياسي والاجتماعي والثقافي ترميما لما تركه عهد الاستبداد من اعطاب.

د. أحمد ابراهيم الفقيه

للإطلاع على صفحة الكاتب، اضغط هنا
للتواصل مع الكاتب: [email protected]

* نشر ايضا في الاهرام

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments

لا تعليقات على هذا الموضوع