د. أحمد ابراهيم الفقيه: قراءة ليبيا تبدأ من فهم العوامل الخارجية.. ماذا يريد الكبار؟ 18/4/2016 14:16 د. أحمد ابراهيم الفقيه: قراءة ليبيا تبدأ من فهم العوامل الخارجية.. ماذا يريد الكبار؟
د. أحمد ابراهيم الفقيه بحث

قراءة ليبيا تبدأ من فهم العوامل الخارجية: ماذا يريد الكبار؟


بناء على دعوة كريمة من صحيفة الحياة ومديرتحريرها الاستاذ محمد على فرحات كتبت هذا المقال الذي يتناول تاثير العامل الخارجي في حالات التازم والانفراج التي تعيشها ليبيا مع تركيز خاص على ازمتها الراهنة ومحاولة للوصول الى صيغة للتعامل الحضاري بين ليبيا والغرب تضع الامور في سياق جديد يحفظ للغرب مصالحه في ليبيا دون ان  يكون هذا الحفاظ على مصالح الشعب اللييي او يتسبب في قمع الشعب الليبي وتعريضه للاضرار والالام والمعاناة التي تحدث له دائما من جراء العامل الخارجي.
 

صورة الملك الادريس والمندوب الاممي ادريان بيلت

لا بد لفهم الأزمات التي تعيشها دولة صغيرة مثل ليبيا، والمشاكل المستفحلة والمتفاقمة التي عانتها ولا تزال عبر مراحل تاريخها الحديث، من فهم العامل الخارجي ورصد مدى قوته وتأثيره في رسم وتشكيل الحالة الليبية، ومعرفة الدوافع وراء هذا التدخل والأهداف المبتغاة منه، واضعين في الاعتبار أن لهذه القوى الفاعلة على الساحة الدولية مصالح كونية، تصل إلى كل ركن من أركان الكرة الأرضية بل وتتجاوزها إلى أجواز الفضاء وأسرار حرب النجوم، فماذا تراها تريد من ليبيا تحديداً؟ هذا هو السؤال الذي سوف نعرف على ضوء الإجابة عليه كثيراً مما غمض من جوانب الحالة الليبية.

ولا نريد أن نعود بعيداً في التاريخ، لكي لا نبتعد عن صلب موضوعنا الخاص بالنظر في الراهن الليبي، ويكفي أن نعود إلى مولد الدولة الليبية، منذ خمسة وستين عاماً، فقد ولدت المملكة الليبية المتحدة بتاريخ 24 كانون الأول (ديسمبر) 1951، في ظل الهيمنة الغربية، وفي حضن دول التحالف الذي تقوده أميركا، بشراكة فاعلة بريطانية وفرنسية، وما كانت تريده هذه البلدان من ليبيا في ذلك الوقت لم يكن غامضاً ولا سراً من الأسرار، وإنما كان واضحاً وصريحاً وله تجلّياته في سياسة تلك البلدان شرقاً وغرباً، وهو النفوذ والسيطرة، كبديل للوجه الاستعماري القديم الذي كان في طور الاختفاء، وحلّت محله صور أخرى تضمن بها دول الاستعمار القديم تسيُّدها على المشهد الدولي، والاحتفاظ بمصالحها وأسواقها ونفوذها في المستعمرات القديمة، وانتهى الأمر إلى ترتيب الأوضاع في ليبيا بما يتفق مع هذه السياسة، وضمان ولاء الحكّام الذين تم تنصيبهم وربط ليبيا بالمعاهدات والقواعد العسكرية الأميركية والفرنسية، مع حقوق لفرنسا في الجنوب الليبي الذي كان تحت وصايتها، إبان إعلان الاستقلال وظل كذلك لبعض الوقت، وتم تكييف الأوضاع بما يضمن بقاء ليبيا في دائرة النفوذ الغربي، وحائط سد، ضد اتساع دائرة النفوذ السوفياتي، إبان الصراع بين المعسكرين الشرقي والغربي. ومع ظهور وتنامي الثروة النفطية في ليبيا وتراجع حدة الحرب الباردة والصراع بين الشرق والغرب، ظهر هدف آخر لم يكن هذه المرة عسكرياً وسياسياً صرفاً، لأن أبرز ملامحه كانت اقتصادية مالية، يحميه بطبيعة الحال النفوذ السياسي ويسخّره لأغراضه، وهو تحويل ليبيا إلى صندوق لدفع استحقاقات مالية، والتزامات مترتبة على الدول الكبرى، كبديل لدفعها من خزينة تلك الدول، توفيراً لأموال دافع الضرائب في الدول الغربية، وتحميلها لصاحب الثروة الليبي الذي لم يبذل جهداً في تحصيلها، كما لم يكن يملك تقاليد المجتمع الاستهلاكي، التي تخلف منافذ لصرفها، مع كامل الحرص لإبقائه رهين حياة التقشف والزهد التي يتميز بها مجتمع تمتد جذوره في البيئة الصحراوية البدوية الريفية، بعيداً من التمدين وأساليب إنفاقه الكثيرة والكبيرة، وهكذا وصل الاجتراء والظلم والأنانية في التعامل مع الحالة الليبية، إلى حد إبقاء المواطن في هذه البلاد معوزاً فقيراً، على رغم ثرواته الطائلة، لا يجد حتى مؤسسة صحية كاملة التجهيزات لمعالجة مرضاه، فيذهب إلى دول الجوار الفقيرة ليحصل على العلاج، أو الترفيه الذي كان محروماً من اكتساب وسائله في بلاده.

وفي هذا السياق، ووفق هذه السياسة، تم جلب النظام الانقلابي المشبوه وتمكينه وحراسته من انقضاض الشعب عليه، وإبقاء رجل مشكوك في قواه العقلية، يقوده لمدة أربعة عقود ونيف، يهدر الموارد بسفه وعبث قل وجود نظائر لهما في التاريخ القديم والحديث، تحقيقاً لهذا الهدف الذي أسلفت بيانه، ثم تظهر في ما بعد، جماعة دينية سياسية ذات أبعاد دولية، لا تمثل في الحراك السياسي الليبي نسبة واحد في المئة من واحد في المئة من أهل البلاد، تجد عوناً ودعماً، بعد تقويض النظام الانقلابي، واعتبارها الحليف الذي يراهن عليه الغرب، لأنها تشترك معه في الهدف عندما تقول جهاراً نهاراً بفتح خزائن ليبيا لكي تكون بيت مال المسلمين، وهو قول ينسجم مع منطق جماعة ذات فروع دولية، وترى ثروة ليبيا التي كانت نهباً للطير من كل جنس، تصل إلى أيديهم قائلة إن ديار الإسلام أولى بهذه الأموال، من توزيعها بين شتات الأرض في الشرق والغرب كما كان يحدث لها سابقاً.

الحاصل أن هذا الهدف، وهو استخدام عائدات النفط الليبي، في تسديد فواتير مطلوبة من تلك الدول، مازال قائماً، وهي تحاول تجيير هذه الفوضى التي حصلت في ليبيا، نحو خدمة هذا الهدف، وإذا كانت الفوضى الخلاقة التي سبق أن اعتمدتها أميركا هدفاً لسياستها في العالم العربي، قد أنتجت فائضاً من الفوضى زاد عن الحد المطلوب، وربما صعب في بعض الحالات ترويضه والسيطرة عليه، فإن الجهود الغربية المبذولة حالياً لإعادة الأمن والسلام إلى ليبيا، جهود لا يمكن التشكيك في صحتها وسلامتها وصدقها، فليس مقبولاً، وخصوصاً بعد ما حصل من أعمال إرهابية أزهقت أرواحاً وسفكت دماء في دول الغرب، أو أرواح سواح من أهلهم في الشواطئ القريبة من ليبيا، وبأيدي دواعش يتم تصديرهم من أرضها، فمثل هذا التوجُّه لتنظيف ليبيا من عصابات داعش وعصابات المتاجرة في البشر المهجّرين عبر قوارب الموت، والمتاجرة بالسلاح والعملة والمخدرات، لا يتعارض إطلاقاً مع أي توجّهات سياسية ينوون ترتيبها لدورة المال الليبي، لكي يصب في السواقي التي تخدم مصالحهم، وتغطي الفواتير التي يستوجب سدادها من خزائنهم، نعم هناك التقاء مصالح في عودة الاستقرار والأمان بين المجتمع الدولي وبين مطلب الليبيين، لكن الهدف الاستراتيجي من ليبيا، يظل قائماً، وإذا كان رهان الغرب على الإخوان قد لحقه بعض التغيير، فإنها عندما راهنت عليهم في بدء ثورات الربيع العربي، كانت ليبيا في بؤرة هذا الرهان، وعوائد النفط الليبي، هي المكافأة التي كانت تريد تقديمها لهم، لتمويل البرامج المشتركة الناتجة عن التحالف معهم.

والسؤال الآن، هل يسمح الغرب، صاحب اليد الطولي في ما حصل من أحداث في المنطقة وبينها ليبيا، لأهل البلاد وحراكهم السياسي، أن ينهج طريقاً ديموقراطياً، قائماً على إرادة المواطن، وعبر صندوق الاقتراع، عملاً بما يبشر به من قيم الديموقراطية والليبرالية، في السياسة والاقتصاد، ثم يصل بعد استقرار الوضع السياسي في ليبيا، إلى صيغة للتعامل مع السلطات المنتخبة ديموقراطياً، بما يضمن مصلحة الليبيين، ولا يتعارض مع مصالح الغرب في ليبيا. لقد رأينا سياقات وصياغات يتم فيها التوافق بين مصالح الغرب ومصالح الدولة الصغيرة، وحصل هذا بشكل واضح في جنوب شرق آسيا ومع نمور آسيا، مثل ماليزيا وسنغافورة وتايلاند، لأنه لا إجبار ولا ضرورة في أن يضع الغرب مصالحه في مواجهة وصدام ونزاع لا ينتهي مع مصالح المواطن الليبي، ويفرض هذه المصالح بالقوة والمغالبة، بما يؤدي بالضرورة إلى إنتاج سلسلة من الأزمات التي تمسك بأعناق بعضها بعضاً، من دون وصول إلى تصالح ومصالحة ووفاق، وهذا التصالح هو ما أتصوره طريقاً وحيداً لتجنّب خط الزلازل الناتج عن أنانية الغرب وأسلوبه في الذهاب إلى هدفه وتحقيق مصالحه وهو يضع عصابة على عينيه، وأخرى على أذنيه، مصنوعتين من عقد القوة والاستعلاء، فلا يسمع ولا يرى معاناة وصرخات شعب يئن ويتألم تحت العقب الحديدية التي يخطو بها فوق التراب الليبي.

د. أحمد ابراهيم الفقيه
كاتب ليبي

* سبق نشر المقال بصحيفة الحياة

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
الصديق
انت مبدع في الادب لكن التغيير في المواقف السياسية يؤتر في قيمتك الأدبية بشكل كبير...
التكملة
ليبي يتألم ويأمل
د احمد اشكرك على هذا المقال الذي تعيه جيدا النخب من جيلك والجيل الذي قبلك اما متصدري المشهد السياسي الليبي اليوم مع استثناء الخيرين منهم فلا اخالهم الا ممن الحوا…...
التكملة
رائد فضاء ليبي
الرجل المشكوك في قواه العقلية ياسيد ابراهيم الفقيه كانت لديه جوقه من المطبلين والزمزاكة والكشاكين والرقاصين....
التكملة
Ghoma
This roundabout tour aiming to prove the conspiracy theory or to find scapegoat(s) for failures that only the locals are responsible for, doesn't really lead to come to terms with…...
التكملة
مشارك
لا اعرف لماذا يقوم كاتب روائي او كاتب قصص بالتدخل في السياسة و الكتابة عن اشياء لا علاقة لها بتخصصه و لا يمكن ان تكون له فيها دراية كافية و…...
التكملة
امحمد احمد بيرى
الاستاذ الدكتور احمد كما هو مبدع فى الادب فانه كاتب كبير فى السياسة كذلك اذا اراد المصارحة والمواجهة دون المجاملة التى اعتبرها نفاقا اجتماعىا.فى مقاله هذا عرض وتحليل باسلوب علمى وحوصلة من حقها…...
التكملة
تحية لكتباتك الادبية
الفارق كبير بين الكتابة الادبية الابداعية ... وبين التحليل السياسي المتمكن ... اتمنى ان تبقى في محيط البحر الذي تجيد العوم فيه حتى لا نخسرك كأديب ... استاذنا الكتابة عن…...
التكملة