سالم الكبتى: يوسف الدلنسى... تحية فى العام السابع والاربعين 22/4/2016 14:07 سالم الكبتى: يوسف الدلنسى... تحية فى العام السابع والاربعين
سالم الكبتي بحث

(نسى الامس والغدا
ومضى ينهب المدى
بين عينيه وردة
تجهل الفجر والندى
تعتلى ملْ صمته
شهوة الصوت للصدى
دربه خفق صبوة
عبرت افقه سدى
لايبالى حنينه
ضل ام انه اهتدى
واذا ضاق صدره
ختم العمر.. وابتدا)

طاهر رياض

يوسف الدلنسي، اسم برز في خمسينيات القرن العشرين ضمن جيل المؤسسين للحركة الأدبية المعاصرة في ليبيا، بعد جيل الرواد الأوائل الذي نهض برسالته وفقاً لظروف زمانه. وقد تعددت مواهب الدلنسي وقدراته، فكان معلّماً في مدرسة الأمير الابتدائية خلال الأعوام الممتدة ما بين 1948 ـ 1952م، وصحفياً ناقش جملة من القضايا والموضوعات ذات الصلة بالهموم اليومية للمواطن، وكاتباً للمقالة، وقاصّاً، وشاعراً نظم بالعامية بعض الأغاني التي استلهم فيها التراث الشعبـي الجميل وقدّمتها الإذاعة. وهذه (التعددية) ستلحق أيضاً بمجموعة من أبناء جيله كتـّاب وأدباء تلك المرحلة.

وُلِدَ الدلنسي ـ الذي كان يحب أن يوقّع بعض نتاجه الأدبي بابن الأندلس ـ عام 1930م في بنغازي، وتوفي يوم الأربعاء 23/4/1969م وبها دُفِن، وكانت الأعوام التي قاربت الأربعين وشكّلت عمره القصير.. صورة متحركة لكاتب تنوّع عطاؤه ومثقّف التزم بموقفه واحترم كلمته على الدوام فيما ظلت كتاباته المختلفة ـ بخاصة في القصة والمقالة ـ سمة واضحة للمجتمع الذي عاشه الدلنسي في بنغازي ثم طرابلس التي أقام بها بعضاً من سنوات حياته موظفاً في مجلس الشيوخ، حيث عمل في شعبة المحاضر فمديراً للإدارة التشريعية.

البرلمان الليبـي بمجلسيه: الشيوخ والنواب، شهد تلك الأيام تواجد ثلة من المثقفين الوطنيين ممن عملوا به، فعلاوة على الدلنسي كان هناك: المنير برشان (الذي تعرّف والتقى بالأديبة اللبنانية مي زيادة عام 1937م أيام دراسته في إيطاليا وكتب عن ذكرياته معها صحبة زميله صالح خواجه المعلّم بمدارس بنغازي)، وخليفة التليسي وعبدالله القويري وعبدالحميد عمران، إضافةً إلى أعضاء المجلسين في دورات نيابية متعاقبة وفي مقدمتهم: أحمد رفيق المهدوي، صالح بويصير، مصطفى السراج، بشير المغيربي، علي مصطفى المصراتي، محمود صبحي، محمد الماعزي.. وغيرهم.

كان البرلمان يجمع في رحابه: الأعضاء، المنتخبين أو المعيَّنين، من مناطق البلاد، وشمل فئات مختلفة من كبار السن والشباب والمجاهدين وشيوخ القبائل وأعيان المدن وأنصاف المتعلمين والشعراء وأصحاب المهن وبعض ممّن عملوا أو (تعاونوا) مع الإدارات الإيطالية والبريطانية والفرنسية، وفي هذه الأجواء (الوظيفية) ما بين قاعات البرلمان في طرابلس وبنغازي والبيضاء عمل الدلنسي، الإنسان والفنان، بلا انقطاع إلى أن استقال من العمل في المجلس المذكور وعُيـِّنَ لاحقاً في وزارة العدل حتى وفاته.

ومثل بقية الشباب في بنغازي التحق الدلنسى بكشافة جمعية عمر المختار وأسهم مع أعضائها في برامجها المتعددة من رحلات وندوات واستعراضات وسط المدينة وأعمال تطوعية، وكان ملاكماً في فرقها الرياضية ولاعباً في كرة القدم، وخلال اشتغاله بالتدريس اهتمّ كثيراً بتلاميذه واعتبر أن ما يقوم به واجباً وطنياً قبل أن يكون (وظيفة لأكل العيش)، وهي رؤية بعيدة المدى اتفق فيها الدلنسي مع جيل آخر رافقه خطوة بخطوة من المعلمين الذين سبقوه. كان بعض هؤلاء يكبره عمراً ويفوقه تجربةً في دروب تلك (الرسالة)، وبعضهم تعلّم على يديه في أيام ماضيات، الأساتذة: السنوسي المرتضي، محمد بوكر، حامد الشويهدي، عرابي العنيزي، محمود دريزة، عبدالعزيز الأبيض، محمود دهيميش، عبيدالله عامر، بن عروس مهلهل، محمد القرقوري، الشريف الماقني، ومصطفى الطياش. وحسين فليفله الذي استقال الدلنسي بسببه من العمل في التدريس عندما أراد ونفر من زملائه إحياء ذكرى الأربعين لوفاته في أواخر يناير 1952م فجُوبِهُوا بعدم الموافقة من قِبَل إدارة المعارف لدواعٍ استوجبت ـ في رأيها ـ ضرورة تأجيلها.. إلى حين!

لقد فتح الدلنسي بصره وعقله على أولئك الأساتذة الذين لمح في نفوسهم الكبيرة كل معاني التضحية والعطاء، والأبوّة والتواضع، فيما اقترب بحميمية شديدة من بعضهم وتعلّق بهم ورأى فيهم بعضاً من جحيم القلق.. وشيئاً من نفحة الفلسفة.. وكثيراً من جنون المعاناة والمعرفة، وسيقتفي أثرهم على الطريق نفسه.

كان الدلنسي متفرداً في حيويته وقلقه.. ومعاناته.. وفي علاقاته مع زملائه.. ودعاباته.. وحبه للحياة واندماجه الكامل ـ رغم المرارة أحياناً ـ في مباهجها، واحتوت روحه المتوثبة في ذلك كله: انطلاق الشباب واندفاعه، وحكمة الشيوخ ورزانتهم، وبوهيمية بعض الفلاسفة، غير أنه يظل باستمرار وفقاً لهذا النهج الذي اختاره راضياً.. مثالاً للمثقف الناضج الذي لا يهدأ في تصرفاته وسلوكياته وجرأته وإبداعه الفني والأدبي.

وعلى الرغم من اختلاف المواقف والآراء ـ ذلك الزمن ـ وتأثره بملامح التغيير والتحديث، إلاَّ أنه حافظ باعتزاز على علاقاته الاجتماعية الواسعة لتي ظلّت موازية لاتصالاته الفكرية والأدبية بأحمد رفيق والشيخ محمد الصفراني.. وقدوته الأثيرة صاحب الشخصية العجيبة (الشريف الماقني) وغيرهم ممّن كوّنوا تجربته في الحياة وطوّروا من ثقافته وموهبته، وكذا مع أصدقائه: مصطفى الشيباني، وعمران الفلاح، ومحمد زغبية، وحسين بادي، وعلي عموره، وطالب الرويعي، ومفتاح السيد الشريف، وعبدالسيد الصابري، وأبو القاسم بن دادو.. وسواهم من أصدقاء.. كانوا بهجة أيامه وإشراقتها، وأسهموا بنصيب وافر في تحفيز شخصيته والاهتمام بتجربته الإبداعية.

في مطلع الخمسينيات، وهي سنوات مهمة في التكوين الحقيقي للثقافة في ليبيا، بدأت الأفكار الحبيسة تضطرم وتتفاعل بعد نشوء الدولة ووضع الأسس للمعالم والمؤسسات فصدرت الصحف والمجلات وتنوّعت الأنشطة الفكرية، وكان ثمة رائحة تعبق الأجواء من أثر سنوات الأربعينيات الماضية التي تسربت في دماء وعقول الكثيرين في المدن والمناطق وشرعوا يتنافسون ـ وفقاً للمتاح ـ بمواهبهم لإيجاد منافذ من الضوء، وعلاوة على صحف برقة وطرابلس ثم فزان والزمان والبشائر والرائد والعمل ـ تلك الفترة ـ كانت هناك مجلات هنا طرابلس الغرب وصوت المربي والضياء والنور، ولاحت في الساحة الأدبية أسماء: علي مصطفى المصراتي وعبدالقادر بوهروس وخليفة التليسي ومحمد الشاوش وأحمد العنيزي ومحمد فريد سيالة ومفتاح السيد الشريف وكامل المقهور وطالب الرويعي وعلي صدقي عبدالقادر وعلي الرقيعى وحسن صالح وعبدالله ويوسف القويرى ومحمد المطماطى وخالد زغبية ورجب الماجرى.. واخرون.

وواصلت الحركة الثقافية النمو والانطلاق.. على مهل أحياناً وبقوة في أحيان أخرى، وكان هؤلاء وغيرهم طليعة (التأسيس) بعد الجيل الأب في أرض قاحلة تنتظر المطر وتحملوا مصاعب الارتطام بالصخور وعلو الأغبرة، واستطاعوا تمثيل البلاد في مؤتمرات عربية، وكوّنوا الجمعيات الفكرية، وقدّموا للمطابع بواكير نتاجهم في تلك السنوات وعلى حساب قوت أسرهم. إن هذه الفترة لها أثر بالغ في التاريخ الثقافي الليبـي وتظل في حاجة مستمرة إلى العناية وإجراء المقارنة والقيام بالبحث والدراسة وإعادة الاكتشاف والتقييم طبقاً لتلك الظروف ومقاييسها، ليس شغفاً بالماضي أو ولعاً به.. أو إطراء له وتغزّلاً فيه.. وإنما سعياً للتأصيل والتواصل والإفادة.. ولا شيء غير ذلك؟!

 اسهام فى الاغنية...

الدلنسى ابن المدينة تاثر كثيرا مثل غيره بالتراث الشعبى الليبى وما يحويه من حصيلة غالية من الشعر الشعبى و القصص والحكايات والاساطير والالغاز والعادات.. وغيرها. الاغنية الشعبية الجميلة بمفرداتها واْلحانها عمقت ايضا الاحساس لديه بقيمة هذا التراث واهميته فى التاريخ الاجتماعى والفنى لليبيا. واْذاع احاديث مشهورة فى الاذاعة الليبية عن هذا التراث وانواعه عام 1960.. ولم يكتف بذلك فنظم مجموعة من الاغانى استلهم فيها اجواء اصالة الاغنية الليبية وجذورها الموغلة فى القدم وصار من شعراء المدن الذين استفادوا من هذه الحصيلة الفنية. سبقه فى ذلك على سبيل المثال.. عبدالهادى الشعالية وعبدالخالق الصابرى وابوبكر جعوده ومحمد عبدالله الجهمى فى بنغازى ويوسف الفيلالى وعبدالله البزنطى فى طرابلس وعبدالكريم جبريل فى درنة. كان التراث موضوعة رائعة يستفيد منها المثقف الوطنى.. الواعى بتاريخ بلاده... اغلب اغانى الدلنسى انطلقت من تجربة ذاتية. وخص بها زميله الفنان عبدالسيد الصابرى الذى اداها فى الخمسينيات واذيعت من المحطات العربية فى هولندا ولندن وواشنطن اضافة الى الاذاعتين المحليتين فى بنغازى وطرابلس. هذه واحدة منها:
 

• شهادة من رفيق...

(مالك اليوم ساكت).. تساؤلات سمعها شاعر الوطن احمد رفيق فى منتصف الخمسينيات من القرن الماضى. توقف فترة عن قول الشعر. لاحظ ذلك العديد من محبيه وتلاميذه ومتابعى شعره اتفاقا او اختلافا معه. مر ببعض الظروف الصحية. حثه الكثير من الشعراء على تجاوز الصمت. فى عددها الصادر يوم 30 ديسمبر 1958 نشرت صحيفة العمل ردا مقتضبا من رفيق على الشاعر عبدربه الغناى الذى طالبه بالخروج عن صمته. الرد كان يتضمن عشرة ابيات...
 

• رحلة الى موسكو...

شغل الدلنسى وظيفة رئيس اللجنة التشريعية فى مجلس الشيوخ. فى ابريل 1961 كان ضمن وفد من المجلس راْسه احمد رفيق المهدوى زار الاتحاد السوفييتى فى ذلك الوقت. دامت الزيارة حوالى قرابة شهرين. تصادف يوم الوصول الى موسكو هبوط رائد الفضاء الروسى يورى جاجارين. التقاه الوفد. كان اول وفد من الخارج يقابله. قابلوا ايضا خرتشوف. تجولوا فى اغلب الجمهوريات السوفيتيه. بعد العودة كتب الدلنسى يومياته ومشاهداته عن الزيارة فى مقالات بعنوان (ليبى فى موسكو) نشرها متتابعة فى صحيفة العمل التى تصدر فى بنغازى برئاسة الاستاذ احمد بوهدمة واعدها فى كتاب.. لم يصدر. وكانت اقرب الى صورة ادب الرحلات من اى شى اخر.

• قلب وذكريات...

رحل الدلنسى وترك تجربة ادبية وفنية كثيرة ولم تصدر فى مجموعات خلال حياته. اسرته مثلت الوريث الثقافى الذى نفتقده للاْسف لدى الكثير من الاسر. ارشيفه كان منظما للغاية. المقالات والقصص والاحاديث والصور.. مكتبته.. متعلقاته. فى ابريل 1999 رحبت الاسرة ممثلة فى شقيقه المرحوم عمر الدلنسى وابنه ادريس يوسف الدلنسى باْحياء الذكرى الاربعين لوفاته وتم ذلك فى بنغازى. ونشاْ عن ذلك فكرة تجميع نتاجه وطبعه فى كتاب. وزاد تعاون الاسرة وترحيبها. تواصل العمل منى شخصيا ومع ابنه الصديق ادريس وصدرت مختارات من قصصه بعنوان قلب وذكريات. عام 2000. 

يوسف الدلنسى. . المعلم والوطنى والكاتب والقاص. يوسف الدلنسى الانسان فى عام رحيلك السابع والاربعين الذى اهملته الاجيال اللاحقه مثلما اهملت الاشياء الغالية والعظيمة لليبيا. تحية لك ولجيلك.. بلا انقطاع.

سالم الكبتي
 

أمام مدرسة الأمير سنة 1950 وقوفا من اليمين: محمود دهيميش, محمد القرقوري,
بن عروس مهلهل, وناظر المدرسة الأستاذ محمود ادريزة وأمامهم جلوسا
يوسف الدلنسي والتلميذان اسعد مخلوف وحمزة بونخيلة

 

عبداللة القويري ويوسف الدلنسي - الطريق الساحلي بين طرابلس وبنغازي
 

أثناء زيارة إلى روسيا ابريل 1961 فى احد المصانع مع وفد
برلماني ليبي ويبدو فى الصورة احمد رفيق ومحمد بونويرة

 

الدلنسي مع تلاميذه امام مدرسة الامير. من التلاميذ: خليفة الفاخرى وعبدالرحيم
الجازوى ويبدو فى الصورة الاستاذ محمود ادريزه عام 1950

 

قائمة باسماء تلاميذ فصل السنة الاولى الابتدائية بمدرسة الامير بخط
معلم الفصل: يوسف الدلنسي العام الدراسي 1949/1950 

 

رسائل الى الدلنسى من  نقولا زيادة والشريف الماقنى وعلى مصطفى المصراتى ويوسف السباعى

 

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
زكريا سالم صهد
تحيه وامتنان لك منا جميعا استاذنا المبدع الصديق العزيز سالم الكبتي,شاكرين لك جميل وفائك واخلاصك وتفانيك لابراز كنوز هذا الوطن و مناقب الفخر به, في زمن اهمل وحورب كل ما…...
التكملة