د. احمد ابراهيم الفقيه: ليبيا.. القبيلة.. الدور وحدوده 28/4/2016 02:13 د. احمد ابراهيم الفقيه: ليبيا.. القبيلة.. الدور وحدوده
د. أحمد ابراهيم الفقيه بحث


في ندوة شهدها النادي الاجتماعي الليبي في القاهرة، دار النقاش حول دور القبيلة في الحراك السياسي الراهن، الذي تشهده ليبيا خلال هذه المرحلة الانتقالية العامرة بالفوضى والارتباك، وعما اذا كان للقبائل دور في انقاذ البلاد والخروج بها من ازمتها، وشرحت وجهة نظري في الموضوع قائلا، بان القبيلة مكون اجتماعي، له حضوره وفعاليته في البيئة البدوية، بل وله، في مراحل تاريخية مرت بها ليبيا، خاصة ابان المرحلة الكولونيالية، دوره الايجابي في تنظيم حركة المقاومة الشعبية، وخدمة المواطن وحمايته في المجتمعات البدوية، حيث لا وجود لغطاء تقدمه الدولة، بل هي دولة استعمارية تعادي المواطن وتحاصره، فلا تبقى الا القبيلة، التي تقدم هذا الغطاء الاجتماعي والانساني لابن بيئتها ومجتمعها بل وحمايته من تغول الدولة الاستعمارية وتنكيلها به.  ولكن هذه القبيلة، تصبح مفردة من مفردات التخلف، اذا ما خرجت عن اطارها المكاني، واقتحمت مناطق التمدن والعمران، فعلاقات الناس في القبيلة تقوم على رابطة الدم، باعتبار القبيلة عائلة اتسعت وكبرت وصارت لها امتدادات وتشعبات وكثافة سكانية، لا رابطة تجمعها، الا رابطة الدم، الذي يقتضى الولاء للقبيلة، والطاعة لشيوخها، ضمانا للحماية، وقانونها هو قانون الشاعر الجاهلي عندما يقول ((وهل انا الا من غزية ان غوت غويت وان ترشد غزية ارشد))، فهو معها في الخطأ والصواب والغواية والرشاد.

واقحام القبيلة في المجتمع المدني، هو ما فعله النظام الانقلابي الذي تقوض تحت ضربات ثورة 17 فبراير، وفعل ذلك في اجراء تعسفي مناقض للتطور الاجتماعي، فقد كان تمدين البوادي والارياف هو هدف سياسات الدولة، التي تريد التحضر والنهوض، فعمد  بسبب طبيعته الفاشية البدوية البدائية، الى توظيف القبيلة سياسيا، للتمكين والتدجين، واحلال القيم العشائرية البدوية، مكان قيم التمدن والحضارة، واعطائها الغلبة والسيادة، خوفا من قيم المدينة التي تفرز مطالب الشعب في الحياة الديمقراطية، والمحافظة على حقوق الانسان، بينما كان هدف النظام الفاشي ان يستغل القيم العشائرية القبلية البدوية في تعزيز روح القطيع، وتكريس سلطة شيخ القبيلة، والولاء غير المشروط لهذا الشيخ وهذه القبيلة، فلا صناديق اقتراع، ولا دستور يشرح الحقوق والواجبات، ويحكم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ولا مجال لتداول السلطة، التي يريدها الحاكم ابدية لا يتركها الا بالموت الذي يعقبه التوريث، وهو ما كان نظاما سائدا ومعتمدا وعاش عليه الطاغية لاربعة عقود ونيف، خالية من الانتخابات، في غياب الدستور والاحتكام الى اي قاعدة من قواعد الحكم المدني والدولة الحديثة بمؤسساتها الدستورية.

ويبقى السؤال الذي اشرنا اليه، عما اذا كان للقبيلة دور في رأب الصدع، وتحقيق الصلح بين الاطراف المتخاصمة، ونزع فتيل الفتن والاحتراب، ولم يكن ثمة احد من الحاضرين يجزم بوجود هذا الدور او عدمه، فقد انطلقت جهود بعض الفاعلين في المجال القبلي والعشائري، في ليبيا، لخلق تجمعات ذات طابع جهوي مناطقي في ليبيا، تهتم بالشأن الوطني، وترفع شعارات الشهامة والنشامة البدوية، من اجل التسامح ونبذ الخلافات، وتصفية القلوب، وجمع الكلمة على مبدأ خير البلاد وخدمة اهلها وتحقيق الامان والاستقرار والسلام في ربوعها، وحمايتها من الانزلاق في مهالك الانقسام والفرقة، ونجحت جزئيا في خلق مصالحات بين بعض المناطق، واطلاق سراح بعض المساجين، وتبادل العهود على نبذ الخلاف وعدم الاحتكام الى السلاح.

وهي جهود باركها اغلب الموجودين في الندوة، وبينهم قادة سياسيون امثال الاساتذه محمود جبريل ومحمود شمام وادريس المسماري وعالم الاجتماع الليبي واستاذ هذه المادة في الجامعات الامريكية على عبد اللطيف احميدة، ولكنهم جميعا  لا يرون  للعامل القبلي دورا في مستقبل البلاد وصياغة دولتها القادمة، فهو دور يقتصر على مرحلة التحول، باعتباره دورا طارئا، عارضا، مؤقتا، خاصة وان ليبيا ليست دولة قبلية بالمعنى التقليدي المعروف في بعض الدول الافريقية، او العربية ذات الطبيعة البدوي، فهي بلاد ذات مراكز حضرية، ومرافي عريقة على الشاطيء، وقامت في العصور القديمة بدور تجاري بين عالم الشمال والعمق الافريقي، بأمل ان تفلح النخب الليبية، خلال المرحلة القريبة القادمة، في بناء مؤسسات الدولة المدنية الحديثة، التي تأخذ بقيم العصر ومفرداته، وتعتمد على الدستور الذي يتساوى امامه الناس جميعا، دون فوارق قبلية او جهوية او اثنية، كما كان يحدث في النظام السابق، وتقوم فيه السلطة على التفويض الشعبي، عبر الانتخابات وصناديق الاقتراع، ويتم فيه التداول للسلطة سلميا، على هذه الاسس الدستورية، ومبدأ التفويض الشعبي، وليس البيعة القبلية التي تنشدها انظمة الاستبداد والطغيان، وان يتوارى دور القبيلة ويتلاشي قابعا في المناطق البدوية التي تمثل جيوبا للتخلف، لابد ان يكتسحها تيار التمدن والحضارة، وان تخضع مستقبلا لبرامج توطين البدو، وتنتفي الحاجة الى اعادة انتاج القبيلة، واحياء دورها لاغراض سلطوية استبدادية ، لتكون على حساب تحضر المجتمع ونهضته وتقدمه.

د. احمد ابراهيم الفقيه

* ينشر بالتزامن مع صحيفة العرب.

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
Ghoma
To be not just 'broken records' repeating a hackeyned terminology that's more confusing than helping. Anyone of those present at the palaver could tell us if the 'tribe' has still…...
التكملة
شيباني راعي
لا ادري ما سر انتفاخ وجوه معظم النخبة والمثقفين في ليبيا!! ربما من كثرة الاقنعة التي يلبسونها على وجوههم...
التكملة
البهلول
السيدة المحترمة "صفية فركاش " مواطنة ليبية وبنت عائلة ليبيا وزوجة الشهيد المغدور معمر بومنيار القذافي من حقها ان تعود الى ارضها هي وابناءها واحفادها وان تنعم بالامن والاستقرار والسلام…...
التكملة
سعيد رمضان
مجلس حكماء البيضاء" يدعو صفية فركاش وأحفادها الى العودة الى أرض الوطن قال "مجلس حكماء البيضاء"؛ انه قرر بعد التشاور مع المجلس البلدي البيضاء؛ السماح لـ «صفية فركاش" وأحفادها بالعودة…...
التكملة
بدوي وافتخر
اكتشف البدو قيمة الترحل بوصفه قوة ذاتية تحميهم من الخضوع، وكلما ترحلوا استقلوا وحافظوا على استقلالهم، ولقد قال شاعرهم القديم: وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى - وفيها لمن خاف…...
التكملة