سالم الكبتى: حسين مازق… الوالى والرئيس 12/5/2016 00:25 سالم الكبتى: حسين مازق… الوالى والرئيس
سالم الكبتي بحث

فى الرابع عشر من مايو 1952 بعد اعلان الاستقلال بخمسة اْشهر اْصدر الملك ادريس اْمرا بتعيين السيد حسين مازق واليا لولاية برقة وفقا للنظام الاتحادى الذى اْقره الدستور فى السابع من اكتوبر 1950. كان ناظرا للداخلية. وصار تبعا لهذا الامر ثانى وال بعد السيد محمد الساقزلى الذى عين وزيرا للمعارف فى حكومة السيد محمود المنتصر الاولى. كان السيدان.. فاضل بن زكرى واليا لطرابلس واحمد سيف النصر واليا لفزان. ثلاث رجال مثلوا فى لحظة اجيالا كبيرة ومتوسطة وحديثة فى انطلاقة الدولة الليبية. الكهول والشباب. الحكمة والانطلاق. الصبر والعمل. فترة الاستقلال وبناء الدولة اْسهمت فيها اْيدى كثيرة من رجال ليبيا فى الولايات الثلاثة والحكومات الاتحادية المتعاقبة الى الغاء النظام الاتحادى عام 1963. كان حسين مازق قد ترك منصب الولاية فى اكتوبر 1961 بعد مدة قاربت عشرة سنوات كاملة وركن فيها الى الراحة والهدوء حوالى ثلاث سنوات وتولى بعده رجل من زعامات الجهاد الوطنى والاستقلال.. الشيخ محمود بوهدمة. العقد يتوالى ولاينفرط. يتتابع ويتلاحق جيل الكبار مع جيل الشباب.

حصيلة حسين مازق خبرة ادارية ممتازة ومهارة فى الاداء والعمل كما يصفه مجايلوه وتلاميذه وعلى حد راْى د. مجيد خدورى فى كتابه ليبيا الحديثة.

العشر سنوات فى مرحلة مابعد الاستقلال مباشرة كانت معاناة وسباقا مع الايام. وقد واجهت حكومة الولاية مشكلة فى اْحد الشهور لدفع مرتبات موظفيها فاضطرت للاستدانة من بنك بركليز لسداد الحقوق ورهنت لدى البنك قيمة اْكياس وجوالات ادارة التموين!!. ثم مواجهة كافة الظروف. اكتشاف البترول والبدء فى تصديره واقتراب سنوات الرخاء وتغير المجتمع الليبى فى قفزة واحدة دون تدرج وكثرة النزوح الى المدن واختفاء مظاهر الزراعة والرعى. الكل يتجه الى المدينة ويترك الارض مهجورة تحت الشمس. الكل يريد الوظيفة ومعسكرات البترول. وشهدت هذه الفترة ايضا.. تاْسيس الجامعة الليبية والاسلامية والاذاعة والكلية العسكرية ومجلس الاعمار ونمو العلاقات الخارجية على المستوى العام للبلاد مع استمرار ملاحظة التطور فى البنى التحتية البسيطة فى مدن الولايات وبعض مناطقها وفقا للميزانيات (الضئيلة).. تطوير وتجديد الموانى ورصف الشوارع وبناء المدارس وصيانة الكهرباء والمياه. تعاون بقدر الامكان بين الحكومات فى كل ولاية مع حكومات المملكة واْن لامسه بعض الاختلاف وتنازع الاختصاص والجدل القانونى فى المهام والمسؤوليات الذى ادى فى النهاية الى 26 ابريل 1963.. باْعلان الوحدة الادارية فى ليبيا. 

جسر عبر عليه الوطن الليبى. ولم يكن خاليا من الانجازات والاخطاء ايضا. فالخطاْ كان واردا ومتوقعا.. لكن الانجاز فى كل الاحوال كان كبيرا بكل مقاييس تلك الظروف.. وذلك الزمن. للخطاْ ظلال.. وللانجاز اْلوان يغطى جوانب الظلال. 

وحين كلف حسين مازق برئاسة الحكومة فى مارس 1965 استمر بنفس تشكيلة حكومة رئيسه السابق محمود المنتصر. كان يشغل فيها وزارة الخارجية فاختار د. وهبى البورى مكانه. وبعد اشهر غير من تشكيلته فضمت وجوها من الشباب اضافة الى الشيوخ. ودخل الوزارة لاْول مرة عمر بن عامر ومحمد المنصورى واحمد الصويدق الذى صار لاحقا اول وزير لاول وزارة للشباب والرياضة. واستحدثت اول وزارة للاسكان والاملاك الحكومية تولى مسؤوليتها عبدالقادر البدرى الذى سيكلف برئاسة الحكومة بعد استقالة حسين مازق لفترة لم تتجاوز ثلاثة اشهر. بعد تجربة الولاية اتت تجربة او مهنة الرئاسة وفى كلا الحالتين كان الرجل يزاوج بين المواطنة والعمل الصادق. بين الحرص على قيم الدولة وتضييق امكان الخطاْ. بين الانطلاق والتطور. صار الوضع يختلف. شملت المسؤولية الوطن باْكمله ولم تعد (برقة) فقط. 

حاولت الحكومة اكمال مسيرة الخطوات السابقة بمحاولات التحديث. وجهت انظارها للتنمية والحرص على عوائد البلاد من ثروتها فكان قانون البترول لعام 1965 الذى انتزع انتزاعا من اظافر الشركات الاجنبية واحتكاراتها وضمن الكثير من الحقوق والاتاوات للخزينة العامة. والاستمرار فى مفاوضات الجلاء مع بريطانيا وامريكا. والاعلان عن مشروع ادريس للاسكان.. بيت لكل مواطن فى مختلف مناطق ليبيا. والشروع فى بناء المدينتين الرياضيتين فى بنغازى وطرابلس واصدار مجموعة من القوانين المهمة المتعلقة بالكسب الحرام والخدمة الاجبارية العسكرية.. وارتفاع دخل المواطن البسيط. واصدار موسوعة التشريع الليبى منذ بداية الاستقلال التى قدم لها رئيس الحكومة ووزير العدل بها عبدالحميد البكوش. وواجهت ملفات عاصفة.. تكملة الانتخابات مع بداية التكليف بالرئاسة وثلاثة حرائق فى مواقع بترولية مختلفة فى قلب الصحراء والبريقة وطبرق بفعل خارجى (شقيق) استجاب له طرف محلى حرك اخرين ارتكبوا الجرم المشهود وتم غض الطرف عنه مراعاة لاْ شياء كثيرة. واعتصام الطلبة فى الجامعة ورفضهم الدراسة عدة اْيام دون اعتداء عليهم من السلطات المختصة. 

وبين (الولاية) و(الرئاسة) عبر حسين مازق ورفاقه المرحلة بتفان واخلاص بمزيد من الحرص وكثير من الوطنية. وثمة فروق واضحة بين الولاية والرئاسة. بين المكان والمكان بين المنصب والمنصب.. فى الظروف.. فى التجربة.. فى المسؤولية.. فى البشر. لكن حسين مازق فى كليهما كان الرجل الذى احتاجته المرحلة السياسية والاجتماعية والواقع المعاش وانجز على قدر مايستطيع. عامان فى الحكومة يضاف اليهما عشر سنوات فى الولاية ليكون الناتج حصادا لدولة وشعب يطالب من مسؤوليه بلا انقطاع ولايشارك فى المسؤولية فى الغالب الا بالتفرج.. التصفيق او الشماتة! 

والحكومة واجهت مسؤوليتها. لكن رياح الشرق الاوسط والمنطقة العربية ابتداء من اواخر مايو 1967 وطوال شهر يونيو ومابعده جعلت من الحكومة تختار الدبلوماسية الهادئة كالعادة فى مواجهات الحرائق والعنف رغم انها اوقفت ضخ البترول فيما لم توقف ضخه الشقيقات ودفعت الالتزامات المالية باهتمام مباشر من الملك نفسه واعلنت حالة الطوارى فى الجيش ليتحرك نحو الحدود للمشاركة فى (معركة المصير) كان ذلك اسلوب حسين مازق فى التعامل مع هذا الظرف الخطير الذى لم يرق للكثيرين من ذوى الحماس القومى. بداْت المنطقة كلها تحترق. وكانت الادخنة السوداء التى ارتفعت فى سماء بنغازى وطرابلس اعلانا لحريق اكبر قادم فى الطريق. ولم يكن هنا ثمة مناص من الانسحاب والاستقالة وسط تلك العاصفة.. وهبوب الرياح. 

اليوم الثانى عشر من مايو 2016 الذكرى العاشرة لرحيل حسين مازق. وفى ذكراه ايضا يمر الوطن والمنطقة برمته بعواصف اكثر هولا وثقلا. عواصف لاتحتمل ايضا الدبلوماسية والهدوء والعقل. انها عواصف البارود والذبح. الاجواء تغلى والانفعالات الساخبة والعنف القاتل لايتوقف. الدبلوماسية مضى زمنها ووقتها مع رجال مثل حسين مازق. وبقت العواصف والادخنة التى تهز اركان الوطن تزداد لهيبا واشتعالا والحرائق لاتنطفىْ. انها تبدو اكثر مما شهده الوطن عام 1967. انها حرائق من نوع اخر. لقد كان جيل الكبار والوطنيين فى ليبيا جيلا كبيرا حتى رغم اخطائها. كان مدرسة تنتمى الى الواقع الليبى وتعرفه. كان جيلا جعل من الوطن قيمة وعنوانا قبل المكاسب والمصالح الذاتية. قيمة تعلو على النفوس وعنوانا يطغى على الشعارات وصيحات الليل الاسود. والرجال ماْثر لاثرثرة على راْى صديقى سمير عطاالله. 

ورجال فترة الاستقلال بمراحلها الاولى.. ايام الجوع والفقر.. اعوام الولايات والوحدة.. مرحلة البترول والبطر.. وعلو مد المشاكل القومية والعالمية والصراع على مناطق النفوذ.. بشر فى كل الاحوال يقعون فى منطقة الظل واللون. والخطاْ والصواب فى التجربة والعمل متوقعة. كان الهدف هو البناء وكان الوطن امام البصر يمتد على الدوام. والنظر الى فترة الثمانية عشر عاما من الاستقلال ينبغى ان تدرس وتحلل من الجميع على هذا الاساس. النظر بعينين لابعين واحدة. ان رجالا مثل هؤلاء اسهموا بحماسهم واندفاعهم واجتهاداتهم ونجاحهم واخفاقهم فى اعلاء اساس الدولة يحتاجون من الاجيال الليبية الى مقارنة اوضاعهم المادية وحقوقهم التقاعدية بمكاسب الثوار اللاحقة. لقد نالوا من السخط والغضب والتشويه مايكفيهم من كل السادة الثوار سابقا ولاحقا.. فهل ثمة رؤية ليبية صادقة ترفع عنهم هذا التشويه وترمم مالحقهم من اهانات ولو باعادة النظر فى هذه الحقوق التقاعدية الهزيلة قياسا برجال الثورات التى وقعت عندنا. خاصة وان كل مسؤول يردد دون ان يدرى بالوفاء والاحترام واعادة الاعتبار لبناة الدولة!! 

فى ذكرى حسين مازق العاشرة اواصل جهدا شرعت فيه منذ اعوام لاعداد كتاب عنه بعنوان (الوالى والرئيس) انصافا لرجل فى ظرفه التاريخى ولمرحلة يظل الليبيون بكل مافيها وعليها لايتوقفون عن الحنين اليها ويعبرون نحو مشارفها فوق حرائق الظلام. رحم الله حسين مازق ورجال ليبيا الكبار المخلصين. وكونوا جميعا بخير. 

سالم الكبتى

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
عدوس
عندما يسعى المؤرخ للانصاف فانه لايكتب بطريقه احتفائيه .بل بطريقه نقديه تعطي للحدث والاشخاص مالهم وماعليهم .لكي تكون هناك دروس مستفاده من التاريخ وهدا لايظلم احد لاننا بشر لنا ايجابياتنا…...
التكملة
محمد عبدالله حنيش
حياك الله أستاذ سالم؛ إن ما تقوم به الآن، هو ما كان مفتقدا في تأريخ الأمة،، ولسبب ما أو مجموعة أسباب ثقافية كانت أم سياسية فقد تم التغافل أو الاهمال أو…...
التكملة
berkawe
Every one who hold responsibilities of the Libyan people in the Monarchy regime including the King him self should be hold responsible for atrocities that committed against the Libyan people…...
التكملة
علي محمد
احسنت يا أستاذ سالم بقولك "شعب يطالب مسووليه ولا يشارك في المسؤولية"... شامت او مصفق. حقا يطالب بان تمون ليبيا مثل سويسرا ولا يحاول هو ان يكون مثل السويسري...
التكملة
ابن بنغازى
الى السيد مؤرِّخ حسين مأزق رجل قوى وإدارى من طراز. الاول. ومثقف ومتحضر. ام أدعاك. انه بانه كثير ما يلجأ للحلف بالطلاق ادعاء كاذب. وليس أساس له من الصحه وحسب…...
التكملة
مؤرخ
كان حسين مأزق شخصية قوية ذات بعد كاريزمي مدعوم بجذور قبلية وطموح برقاوي أصيل. ولذلك فقد أخذ عليه وقوفه المستمر ضد ولاية طرابلس في ادراج تعدادها الحقيقي وفي تحديد ميزانيتها…...
التكملة
محمد المختار
أشكرك استاذ سالم على المقاله ونتمنى من الدوله الليبيه أعاده اعتبار رجالات الاستقلال. وأعاده النظر فى مرتباتهم الهزيله كما ذكرت تصور مرتب التقاعد لهولاء الذين خدمو ليبيا لاتتجاوز ثلاثماية. دينار…...
التكملة
ابن بنغازى
بارك الله فيك استاذ سالم على هذا السرد لأحد رجالات دوله الاستقلال ونتمنى منك استاذ سالم إعداد كتاب عن الشخصيات الليبيه الذين تقلدو مناصب فى دوله الاستقلال أمثال عبد الحميد…...
التكملة
محمد على
لو وجد شعب ليبي وطني فى هذا الوقت بقيادة رجال افوفياء مثل حسين مأزق لكانت ليبيا دولة ولكن اليوم نشاهد المتسلطين الكذابين اصحاب المصالح الخاصة يسرقون أموال و يقتسمون الكراسى…...
التكملة
قاريء
أتمنى لك التوفيق وبانتظار الكتاب إن شاء الله لنا بقراءته، فتره تاريخية هامّة حبلى بالمواقف والسياسات تحتاج مجلدّات رُبّما، وتحتاج فعلاً للتوثيق وسرد من كاتب أحسبه والله حسيبه، مؤرخ وطني…...
التكملة
الاصيل
رحم الله السيد حسين مازق.. رجلا من رجالات الوطن المخلصين نادر وجودهم خاصة في هذا الزمن الرديء..شكر للكاتب المميز الذي دائما في الموعد....
التكملة
خالد محمد العكاري
هؤلاء رجال ليبيا سبقوا عهدهم بقرن. كانوا رجال ذو وطنية حقيقية  ونظرة لليبيا كدولة واحدة لجميع الليبين.. أين منهم شرادم الخيانة والسرقة وقلة المنفعة الذين يدنسون الساحة الليبية في أيامنا هذه...
التكملة