الليبية: ما أشبه اليوم بالبارحة 26/3/2010 14:48 الليبية: ما أشبه اليوم بالبارحة
الليبية بحث

كم أستغرب أن يهب معارضي الأمس تصفيقا وتحية لسيف الإسلام القذافي لوساطته في الإفراج عن الجماعة المقاتلة من السجن. فيوم أمس سجنهم والده، وهو الرجل ذو الخط الأحمر في جماهيرته الخضراء، القذافي الأب الذي يصر أن لا سلطة له ولا دور له سوى ترشيد هذا الشعب الذي يراه عاجزا عن معرفة مصالحه، بينما يحمله في نفس الأوان مسؤولية القرار والتنفيذ، وهكذا يصبح الشعب هو المسؤول عن الكوارث التي تلمُّ به، وذلك لأنه، حسب منطق القذافي، قد وصل بيده إلى هذا الدرك من الغوغاء لأنه لم يفهم النظرية العالمية الثالثة ولم يعرف كيفية تطبيقها، مما أدى به إلى هذا الفشل الذريع على جميع الأصعدة، ومن ثم فإنه، حسب رأي القذافي "المفكر الوحيد"، يستحق كل ما يترتب على عدم وصوله إلى مستوى كلمات الكتاب الأخضر.

إن خطوة إطلاق سراح المعتقلين تأتي بالنقيض الكامل لما ورد على لسان القذافي الأب في خطابه في مؤتمر الشعب العام الأخير حيث رفض الإفراج عنهم وعلل هذا الرفض بأنهم سيشكلوا خطرا على أمن ليبيا وأهلها وأن لا ضامن لدى أحد أنه لن يصدر منهم أي مسلك إرهابي إذا ما تم الإفراج عنهم.

لا عجب أن يحصل هذا بعد تصريحات القذافي الأب بخصوص إستحالة الإفراج عنهم، حيث اننا جميعا نستطيع ان نرى كيف أن الإبن هنا قد ظهر بمظهر فاعل الخير وبهذا فإنه إكتسب شعبية من الكثيرين ممن كانوا يرتجون الإفراج عنهم. وبطبيعة الحال، لا يمكن لعاقل أن يصدق أن الإبن قد فعل هذا رغما عن إرادة الأب، حيث أنه في كل مناسبة يؤكد أنه على إتفاق تام مع والده وأنه دائما يستشيره فيما ينوي القيام به. كذلك لا يجب أن ننسى أن أمر الإفراج عن هؤلاء كان لابد أن يحصل سواء تدخل سيف أو لم يتدخل، بل أن أمر سجنهم من الأساس كان باطلا وما كان يجب أن يحدث بدون إثبات لإدانتهم.

لقد ذكرني هذا بيوم "أصبح الصبح" مع إختلاف الوسيلة، حيث أن الأب حينها إستخدم في طريقته الدعائية بلدوزر لهدم سور السجن وأغنية أصبح الصبح بينما القذافي الإبن اليوم يستخدم وسائل الإعلام والمراسلين. كان ذلك زمن وهذا زمن، ولن يكون مقبولا إذا ركب سيف على بلدوزر اليوم ليقوم بمثل ما قام به الأب منذ أكثر من 20 عام... إن التاريخ يعيد نفسه ولكن بحلة جديدة، ولذا علينا أن نعتبر من تجاربنا وأخطائنا وأن لا نكرر مع الإبن ما قمنا به مع الأب. إن من عايش تلك الأحداث لا يسعه سوى أن يقول: "ما أشبه اليوم بالأمس"... إذ أنه لا يخفى على أحد أن المحصلة النهائية لكل هذه الممارسات والتفاعلات تخدم إستراتيجية واحدة، وجهاها الأب والإبن. ومما لا شك فيه فإن خطوة إطلاق سراح هؤلاء المساجين لا تخرج عن هذا الإطار.

إن للقذافي أهداف واضحة من وراء خطوة إطلاق سراح المساجين الإسلاميين، وذلك على الصعيدين المحلي والخارجي.

فعلى الصعيد المحلي، إن الهدف الأول والأهم، وأكبر حتى من تثبيت حكم الإبن، هو وأد ما سيترتب على تقرير الخضار المكلف من قبل النظام الليبي في التحقيق في ملابسات مجزرة بوسليم والتي راح ضحيتها 1200 سجين في إحدى أبشع جرائم العصر، وذلك من خلال هذه الجوقة الإعلامية وهذه الفرحة المفتعلة.

إن أهم ما نلاحظه في موضوع إطلاق سراح هؤلاء المساجين هو التزامن الذي نراه بين هذا الإجراء مع ترقب شعبنا لصدور تقرير الخضار بخصوص هذه المذبحة... ولذا فإنه ليس من المستبعد أن يكون الإفراج عنهم تمهيدا لما سيصدر في هذا التقرير المنتظر. وفي أجواء هذا الترحيب بهذا الحدث، لا يخفى عن أي مراقب جاد أن يرى أن النظام ينوي بهذا تمرير هذا التقرير والمقصود هنا هو وأد القضية في أجواء الفرحة المفتعلة..

يجب عدم نسيان أن الترحيب والإحتفال بهذا الحدث وبحضور السفراء ليس مجرد إكرام لهم بل إنه مناورة واضحة للنظام لأجل غاية واضحة وهي تصب في الهدف الذي سأتناوله على الصعيد الخارجي، حيث أن هدفه هنا من وراء إطلاق سراح هؤلاء المساجين هو إستكمال الرسائل التهديدية، المبطنة منها والظاهرة، التي شرع القذافي في أرسالها إلى أمريكا منذ عدة أسابيع سابقة, وقد تمثلت في إستقبال السفير الروسي والصيني والفعاليات العراقية المناوئة للوجود الأمريكي، مع الدعوة إلى تقسيم نيجيريا إذ أن أمريكا تعتمد إعتمادا كبيرا على النفط النيجيري. وأود هنا أن أذكر القارئ بخطابه يوم ذكرى المولد النبوي الشريف وكيف قام بدعوته للجهاد ضد "سويسرا الكافرة" والغرب عامة بوصف أوروبا بالمسيحية وذلك أمام الزعامات الإسلامية التي جلبها لكي تحضر تلك الخطبة غير المتوازنة.

ثم تأتي في هذا السياق أيضا دعوة الإسلاميين بالذات في الخارج إلى العودة إلى ليبيا، فهل يتصور أحد أنهم سينعمون حقاً بالحرية على أرض الجماهيرية؟ إن الغاية الواضحة من الإجراء الأخير هذا هو محاولة مبطنة لإرهاب من يسعون إلى الإطاحة به سواء كانوا من الشعب الليبي أو من الدول التي يتعامل معها، وعلى الأخص أمريكا وأوروبا. وبهذا يتصور الدكتاتور أن يكون عدد لا بأس به من المتطرفين الإسلاميين في قبضته وتحت إمرته، ويرى أنه بهذا سيمكنه أن يضيق الخناق عليهم متى شاء. من هنا نرى أنه يرسل إشارات بأن هذه الجماعة رهن إشارته وتحت سيطرته التامة، وأن بإمكانه أن يحركهم للجهاد متى أراد وأن يقضي عليهم متى أراد، وللأعداء والأصحاب الخيار!

حقيقةً، إن ما أراه في تصرفات القذافي الأخيرة تجاه الإسلاميين وكأن ما يجول بخاطره هو التالي: "إذا إستطاع نتنياهو ان يُركّع أمريكا بهذا الشكل لأجل مصالحهما المرتبطة، فلماذا لا أستخدم نفس الأسلوب معهم وقد ثبت نجاحه؟ لديّ سلاح النفط والارصدة المالية، وكذلك لديّ التأثير على جماهير بعض الدول الإفريقية والعربية والإسلامية، إضافة إلى حماية الأخوان المسلمين وبعض الدوائر السرية الأخرى".

أخيرا، آمل من ذوي المعرفة أن يواصلوا وبإلحاج إلقاء الضوء على ما يدبره هذا النظام الظالم لأبناء شعبنا ولوطننا في الخفاء، لكي تظهر الحقيقة ولكي لا يضيع الحق. *

والله المستعان

مقالات سابقة للكاتبة

* بودي ان أذكر القراء أن أبشع وأسوأ إنتهاكات لحقوق الإنسان التي مارسها هذا النظام قد وقعت في ظل وبعد إصداره لما يسمى بوثيقة حقوق الإنسان الخضراء (يونية 88) وما يسمى بقانون تعزيز الحريات (مارس 1990).

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
مدرسة الأمير / بنغازي - ليبيا
(لا تستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه) nFreedom never come without a price nالأخت الليبية ، وبقية الأخوة الكرام ، سلام عليكم ولكم ولبقية أهل الوطن خاصة الذين لم تتلطخ أياديهم…...
التكملة
موسى عبد الكريم
الاخت الفاضلة الليبية لك خالص التقدير فى عرض تحليل واقعى للمشهد السياسى كما يصاغ مرة اخرى لتحسين واقع ماساوى وظالم ويتم فيه ابراز حدث بشكل دعائى لتكريس توريث سياسى لحكم…...
التكملة
محمد أمين العيساوي
أحييك أختنا الليبية على جهودك المخلصة بقلمك الذي عودنا دائما بإلقاء الضوء على قضايا الوطن ، لقد أصبت القول فيما ذهبت اليه من ان مسرحية الافراج عن السجناء والمنسوخة عن…...
التكملة
الليبية
سيدي وطني 100, أشكرك جدا على الرد والذي أوافقك تماما على كل ما جاء به. أود فقط أن أوضح أني لم أقل "وأد تقرير الخضار" لأننا كما قلت لا نرتجي…...
التكملة
libyan
there is no different accept the night-mare we are having for 40 years and waiting for the alarm to go off and wake up for better tomorrow...
التكملة
إما العائلة وإما الشعب
بعد اربعين عاما لم يعد يخفى على احد أن عائلة واحدة تسيطر على البلاد وتعامل اهلها كما لو كانوا قطيعا من المواشي او العبيد لدرجة أن الافراد لا يشار لهم…...
التكملة
وطني 100
اختي الليبية, لا ادري ما المقصود بكلمة: “ان تقرير الخضار سيوؤد القضية”؟ فهل كنتِ تعتقدين بأن التقرير سيكون فى صالح الشهداء؟ او بأنه سيخرج علينا محمِلاً المسؤولية لكوسا او لعبدالله…...
التكملة