د. أحمد ابراهيم الفقيه: اسحبوا ظلالكم الثقيلة وانصرفوا 9/6/2011 04:19 د. أحمد ابراهيم الفقيه: اسحبوا ظلالكم الثقيلة وانصرفوا
د. أحمد ابراهيم الفقيه بحث

كان الفيلسوف الاغريقي ديوجين متكئا في مواجهة الشمس تحت حائط في مدينة كورونثوس، عندما وجد الاسكندر المقدوني قادما اليه يقدم له نفسه ويقول له انه جاء يسعى للقائه من اجل ان يلبي له اي طلب يريده، فرفع ديوجين بصره اليه، دون ان يترك وضع الاتكاء، واجابه قائلا بان له طلبا واحدا هو ان يتنحى قليلا عن مكانه لكي لا يحجب عنه نور الشمس. ودون مقارنات بين الفاتح العظيم القديم في مقدونيا، وبين صانع انقلاب الفاتح في ليبيا، فان المطلب الوحيد الذي يطلبه الشعب الليبي من رجل حجب عنه نور الشمس لمدة اثنين واربعين عاما، هو ان يتنحى حاملا معه ظله الثقيل لكي يستطيع ان يرى الشمس، وهو مطلب قاله له الشعب الليبي باسلوب سلمي حضاري، لكن العقيد التليد العتيد رفض التنحي، فكان لابد ان يستخدم الشعب الليبي، الاسلوب الوحيد الذي يفهمه طاغية حكم بقوة الحديد والنار، هو منطق الثورة المسلحة، لازاحة حكم همجي بربري، عز وجود نظائر له في جنونه واجرامه، رغم ابتلاء المنطقة العربية الاسلامية بحكام طغاة مجرمين مازال هو عميدهم وحامل رايتهم الى النار باذن الله.

والسؤال الذي يتردد في اذهان الرأي العام العالمي والعربي، وقبلهما في اذهان

ابناء الشعب الليبي ممن ابتلاهم الله بهذا الحاكم، هو لماذا لا يرحل؟ ولماذا يطيل عمر المحنة التي يعيشها هو بمثل ما يعيشها شعبه؟ ولماذا يراكم عدد الضحايا من الطرفين، طرف الكتائب التي تحارب باسمه و الثوار الذين يحاربونه؟

نعم، لقد سمع النداء يتصاعد من كل ركن من اركان الوطن يطالب برحيله، فكان معذورا انه لم يصدق ما سمع، فالرجل عاش اكثر من اربعة عقود لا يسمع الا هتافات التأييد والمناصرة والتكبير باسمه بعد اسم الله، كما يسمع المدائح واناشيد التمجيد وخطابات الولاء والتاييد تتوالى صباح مساء، تقتحم عليه ساعات النوم واليقظة، فلم يكن ممكنا وقد امتلأ عقله وقلبه باصداء هذه المدائح والاناشيد ان يصدق بسهولة نداءات الرحيل، وخرج للناس يقول ان هؤلاء الذين يثورون ضده مجرد جرذان سوف يتم القضاء عليهم في وقت قصير، كما اردف قائلا انه يعرف مكانته في قلوب الجماهير، وانه حبيب الملايين كما تقول الاذاعة وتقول الاغنيات التي قام بتاليفها وتلحينها وادائها عشرات المؤلفين والمطربين والمغنين،كان يجلبهم من مختلف انحاء العالم مقابل النقود، ولكن اياما كثيرة مرت اتضح من خلالها ان شعبا كاملا اجمع على رفضه ومدن البلاد وقراها خرجت جميعها في مسيرات تعبر عن رفضها له، وقد تم قمع بعضها بالرصاص، وفشل هذا الرصاص في قمع اغلبها، لان الليبيين رجالا ونساء فاض بهم الكيل واستوت عندهم مسائل الحياة والموت فخرجوا يواجهون رصاصه بصدور عارية، واستطاعوا بعد سقوط الالاف من الشهداء ان ينتصروا على رصاص كتائبه، واضطر الى استجلاب المرتزقة من خارج البلاد وتمت هزيمتهم، وفروا هاربين بعد ان قتل الثوار اكثرهم، والان وقد وصل عدد الشهداء من صفوف الثوار فقط خمسة عشر الف شهيد، غير القتلى من صفوف الكتائب، الم يفهم بعد ان الحب الذي يحمله له الشعب كان مجرد وهم؟ وان الرفض لحكمه ونداءات الرحيل عن السلطة لم تكن تصدر عن قلة من الخونة والعملاء الذين اسماهم جرذانا وانما عن شعب بكامله خرج يطالبه بالرحيل؟ وحدث بعد ذلك تطور اخر، اذ لم يكن ممكنا لعالم القرن الواحد والعشرين وهو يرى حاكما يستخدم الجيش وترسانة الوطن العسكرية في قتل شعبه، ان يقف عاجزا يتفرج على المجزرة، واستنفر الضمير العالمي قواه الحية، وصدر عن هيئة الامم المتحدة ومجلس امنها قرار بحماية الشعب الليبي من عدوان حاكمه عليه، وحظر الطيران الذي كان يقصف المدنيين، وحل بدلا من الطيران الليبي طيران الشرعية الدولية يقصف معاقل جيش النظام، ومخازن سلاحه، ومواقع الاتصالات والقيادة، وصدرت نداءات من اغلب الرؤساء في العالم، اضافة الى نداءات الشعب، تطالب هذا الحاكم الذي يقتل شعبه ان يرحل عن الحكم حقنا للدماء واختصارا لايام المحنة، وجاء تطور ثالث، هو محكمة الجنايات الدولية، التي اعدت سجلا بجرائم الحرب التي قام بها ضد شعبه، وقدم الادعاء العام طلبا مرفقا بهذه الوثائق الى قضاة المحكمة لاستصدار قرار القبض عليه، وجاءت نداءات اخرى تقول له ان امامه مازال فرصة للنجاة من المحاكمة، وضمان طريق آمن له، ومكان آمن لاقامته هو واسرته وبعض اعوانه، شرط ان يرحل الان وقبل صدور مذكرة القبض عليه، فماذا تراه ينتظر؟ وهل حقا صورت له اوهام المجد انه ما زال بامكانه وبعد سقوط كل هؤلاء الضحايا ان يستمر في الحكم؟ هل وصل به خداع النفس الى هذا الحد؟ وهل فاته ان يرى مصير ميلوزوفيتش ومصير تشاشيسكو و مصير صدام و مصير بن لادن، لان مصيره لن يخرج عن واحد من هذه المصائر الاربعة، ان لم يلبي نداء الرحيل قبل فوات الاوان، ويخرج من الحكم ومن البلاد، باعتبار ان لا امكانية ان يبقى في مكان واحد مع الليبيين؟

لقد راينا يوم الجمعة الماضي ما حدث للرئيس اليمني؟ وكيف نجا باعجوبة من اغتيال محقق؟ وهو ايضا يعاند مثل القذافي ويضرب شعبه بالرصاص ويقصف بيوت صنعاء وتعز بالطائرات، رافضا مبادرات المصالحة التي تضمن له رحيلا آمنا عن الحكم؟ فمن ادراه بان النجاة ستكون من نصيبه في المحاولة القادمة؟ وهو ما ينطبق على رئيس عربي اخر انتكب نفس الطريق هو بشار الاسد وقد تجاوز عدد القتلي بين صفوف المتظاهرين في بلاده الالف شهيد، فالى اين يسوقون شعوبهم، وكيف اعمتهم شهية السلطة عن رؤية الحتوف التي تنتظرهم؟

نعم هناك ثلاثة شعوب عربية في اليمن وسوريا وليبيا تقول لطواغيتها اليوم باعلى صوت، واكثره قوة وارتفاعا، وبلغة التضحية والفداء والدم البشري ما قاله الحكيم اليوناني القديم: اسحبوا ظلالكم الثقيلة وانصرفوا لكي نستطيع ان نرى ضوء الشمس.

د. أحمد ابراهيم الفقيه

www.ahmedfagih.com

[email protected]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر ايضا بصحيفة الاهرام

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
واحد طرابلسي
تحياتي للكاتب القدير احمد ابراهيم الفقيه، ونتمنى ان يواصل...
التكملة
القاضي
السلام عليكم .. شني التعليق اللي مايعجبكمش ما ينزلش .. امالا اركبوا مع القردافي وريحونا مع اني التزمت الادب مع هذا الحكواتي .. قداش بعاد على الديمقراطية والحرية وهذا كاتب…...
التكملة