سالم الكبتي‎: الجامعة الامريكية فى بيروت... (150 عاما) 31/5/2016 12:25 سالم الكبتي‎: الجامعة الامريكية فى بيروت... (150 عاما)
سالم الكبتي بحث

هناك... فى وسط بيروت. فى زقاق البلاط.. ديسمبر 1866 الشتاء والريح والثلوج واْمواج البحر تتدافع.. قامت جماعة من الامريكان والانجليز المقيمين فى المدينة باْنشاء (الكلية السورية الانجيلية). هكذا سموها فى البداية. كان الغرض منها كما ورد فى البند الثانى من براءة التاْسيس: (مساعدة اْبناء سوريا والبلدان الاخرى الناطقة باللغة العربية على تحصيل ثقافة اْدبية علمية اْو مهنية فى كلية اْو مؤسسة تربوية كهذه). وفى 1873 انتقلت الى اْبنيتها الجديدة فى راْس بيروت عند البحر حيث الموج يستمر فى التدافع ويرمى زبده الابيض عند اْقدام الشاطىْ.

كان الاهتمام واضحا بعلوم الطب. التحق الكثير من الطلبة من ديار الشام. القصر العينى فى القاهرة.. وهاهى الكلية اضحت على بعد خطوات منهم. فى 1882 حدثت مشكلة لم تنته بين الادارة والطلبة عرفت باْزمة دارون عن النشوء والارتقاء. كان من بين الطلبة انذاك جرجى زيدان الذى سيغادر الى مصر ويؤسس الهلال. 

فى فترة لاحقة فترة الاحتلال الفرنسى للجزائر تتاْسس جامعة الجزائر عام 1879. الغرب بعلومه يغزو المنطقة ويخلق اْجواء ثقافية وفكرية جديدة. ثم فى 8 نوفمبر 1920 يتغير الاسم ويضحى الجامعة الامريكية فى بيروت) وتتمدد عبرها كليات حديثة وفى العام نفسه اْيضا تاْسست رصيفتها فى القاهرة على ضفاف النيل بعد عام من ثورة الوفد. الهلال والصليب. الرجال والنساء. الباشوات والافندية والغلابة. سعد زغلول وحمد الباسل. مصطفى النحاس ومكرم عبيد.. وغيرهم. الثورات والافكار والثقافة تدق الابواب بعنف. وفى اْعوام متصلة وبعيدة نشاْت اْيضا على ضفاف الخليج.. الجامعة الامريكية فى دبى والشارقة. غاب المحار واللؤلو وضاعت مراكب الصيد القديمة. الحداثة والمعاصرة وملاحقة العالم وعلوم الغرب. هل تذكركم دبى باْية وعود؟!

مائة وخمسين عاما تمر على انشاء تلك الجامعة الامريكية فى بيروت.. شتاء هذا العام ومن جديد سيكسو الثلج كالعادة بيروت وتتوهج اْضواء عيد الميلاد فى ديسمبر ويقفر شارع الحمراء اْحيانا لحظة المساء البارد وتبحث الجموع عن الدفء فى الزوايا والاماكن المجاورة فيما يظل شارع بلس حيث الجامعة برجها وساعتها ومدخلها الشهير والمطاعم والمكتبات ومحلات التصوير والدراجات النارية.. يمتلىْ بالطلاب وصخب حواراتهم وشجارهم فى جنباتها وحديقتها وقاعاتها. يمتلىْ بالحياة. كل الشوارع تصب فى الجامعة الامريكية. كل المرضى فى مستشفى الجامعة الامريكية. كل الصيد فى جوف بيروت!

هذه الجامعة الامريكية التى بداْت بالتبشير وغيرت من سياستها التعليمية طيلة مشوارها.. رغم كل مايقال عنها فى الكتب والاحاديث. خرجت اْجيالا من النخب العربية فى مختلف التخصصات العلمية والانسانية. الطب والتربية والفلسفة والادارة والاجتماع والسياسة. مجالات متنوعة. والاْهم من ذلك مجموعات متتابعة من قادة الفكر والراْى فى هذا العالم العربى. 

من الجامعة فى 1951. خرجت حركة القوميين العرب بعد العروة الوثقى وكتائب الفداء. العنف والتصفية للعدو واْعوانه فى المنطقة. وشهد مطعم فيصل الذى يقع اْمامها عند تلك الزاوية على يسار الشارع تعاظم الفكرة.. جورج حبش واحمد الخطيب وباسل الكبيسى وهانى الهندى ووديع حداد وحامد الجبورى. كان هناك تنظير لفكرة العروبة منذ اْيام الترك. 

تلك خطوات مضت. ثم ساطع الحصرى وقسطنطين زريق وعلى ناصر الدين. اْستوت الفكرة على نار القومية والانتماء لنحن والتاريخ. اْختلطت رائحة الشواء والقهوة فى المطعم اْمام الجامعة وفى مدرجاتها بذلك التنظير وتلك الدعوات.. بنقاشات العروبة ونشرة الثاْر وتحرير فلسطين والعودة الى الديار بعد القضاء على (الرجعية)!

حكايات الثورة مع الحكيم حبش طلعت من شارع بلس ومطعم فيصل ومقاهى الروشة.. حوارات تهدر ولاتتوقف عن العروبة والفكر القومى ومعنى النكبة ومجد الامة الذى سيظل حلما قاحلا ومقفرا مثل اْرصفة شارع الحمراء فى بعض لحظات المساء البارد فى اْيام الشتاء ولياليه. 

التقى العرب هناك باْحلامهم ومشاكلهم. بعنادهم وحماسهم. بعاطفتهم وبعض من عقلانيتهم. من الكويت والسعودية وليبيا وسوريا والاردن والعراق وتونس واليمن. التقت البدل الافرنجية. والملابس العادية. والعقالات والغثرات. اْطلوا من نوافذ الجامعة على التحديث والحرية. على معنى علوم الغرب والتجريب والعمل. فى السابق كان هناك وصفى التل وشارل مالك وهشام شرابى واْنيس فريحة وعمر السقاف والشريف عبدالحميد شرف.. وغيرهم. اساتذة وطلبة. تعلم الطلاب العرب واستفادوا وعادوا الى بلدانهم يحملون اْسفار الثورة والتغيير.. او العمل فى الادارات والوزارات وتقلد المناصب الكبيرة. وكان هناك من ليبيا.. مهدى المطردى وزهرى المنتصر ومحى الدين السوكنى والهادى السكلالى وعبدالرحمن مخزوم ومحمد جميل والهاشمى كامل وطالبة وحيدة هى رباب ادهم. 

انضمت وعملت بحماس فى حركة القوميين العرب مع غيرها من طالبات العروبة. واوفدت فى مهمة سرية لصالح الحركة الى بغداد عام 1957. التحق اْولئك الطلبة بداْ من العام 1954. وفى مرحلة تالية التحق فؤاد ابراهيم بن شعبان وعمر المنتصر وسعد مجبر وعبداللطيف المنتصر. بعضهم واصل الدراسة. الاخر انقطع او اكمل دراسته فى اوروبا. وبعضهم صار عضوا فى حركة القوميين العرب ايضا التى تشكلت خلاياها فى ليبيا بدء من العام 1959.(اشرف على ذلك محمد كشلى من قياديى الحركة فى لبنان). لتنتهى بالقبض عليهم ومحاكمتهم عام 1967. كان العدد (106). والعديد منهم واجه تهمة التدريب على السلاح خارج ليبيا. ومن بين غير الليبيين الذين حوكموا غيابيا جورج حبش وهانى الهندى ووديع حداد ومحسن ابراهيم. 

وفى بيروت تمرد الطلاب وتظاهروا فى الخمسينيات وفصل بعضهم من الجامعة واْكمل دراسته فى الجامعات المصرية. فى بيروت السياسة والحرية. المطابع والمكتبات والصحف. بيروت تتنور وسط المنطقة وتظل قطب رحاها. الاحزاب والمقاهى ودوائر المخابرات والجواسيس. بيروت التى اْبهرت العالم تلك الاعوام.. واذا لم يكن الامر كذلك.. اذا لم تقف عليه وتعرفه تلك الايام فاْنت لست فى شارع الحمراء. اْنت (غلطان بالنمره)!

بيروت وفترة الخمسينيات واللهب بعد انطلاق الحركة بقوة (التى تمركست بعد ذلك) وشباب الجامعة.. يتحركون والنادى الثقافى العربى والمحاضرات وتاْميم القناة والعدوان الثلاثى واحداث لبنان والعراق والجزائر وفلسطين. وشباب عربى يلتقى هناك ويحلم. عيده يوم عودته لتحقيق الحلم وتغيير الواقع وتحرير الديار السليبة وتحطيم الخونة من المحيط الى الخليج. والحركة صارت وراء الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وبداْت اولى الخطوات بخطف الطائرات صيف 1968 الى الجزائر. 

ولاتنقطع العلاقة الليبية مع الجامعة الامريكية. توفد الدولة المزيد من الشباب للمشاركة فى الدورات التدريبية المنعقدة بها. فيما يصل وليام كليلاند اْحد اساتذة الجامعة الامريكية فى القاهرة الى بنغازى عام 1955 ليصبح اول عميد لكلية الاداب والتربية. وفى عيدها المئوى فى ديسمبر 1966 تنشر ضمن احتفالتها كتابا للدكتور نيقولا زيادة الاستاذ بها (كان فى معارف برقة 1949-1950) عنوانه.. ليبيا 1948 وثيقة رسمية. يتضمن ترجمة وافية ودقيقة لتقرير اللجنة الرباعية التى اوفدتها الامم المتحدة الى ليبيا ذلك العام وضمت ممثلين عن امريكا وروسيا وبريطانيا وفرنسا لدراسة الاوضاع وتقرير المصير الليبي الذى كان فى مهب الريح!

الجامعة الامريكية فى بيروت. اْيام على زمن مدته (قرن ونصف). اْحداث وحوادث. مشاهد وتبدلات. ثورات وانتكاسات. ربيع ثم خريف تذبل اوراقه ويشعر الجيل بالهزيمة والانكسار فى القلب.

حين تحتفل تلك الجامعة بوصولها الى هذه المحطة الزمنية الطويلة. فى ديسمبر القادم.. هل ثمة من كتاب عن ليبيا.. وماذا سيقال فيه؟.. اْعنى فى ذكرى الجامعة الامريكية.. هناك فى بيروت!

سالم الكبتي
 

طلبة ليبيون فى الجامعة الامريكية فى بيروت. العام الجامعى 1954-1955. من اليمين وقوفا: مهدى المطردى،
زهرى المنتصر، الهاشمى، كامل العربى، رباب ادهم، بشير بالروين، محى الدين السوكنى،
الهادى السكلالى. الجالسان: محمد جميل، عبدالرحمن مخزوم.

 

ليبيا 1948. منشورات الجامعة الامريكية
 

الجامعة فى شارع بلس.. فى بيروت
 

مطعم فيصل الذى تغير دون ان يتغير دوره العلوى
 

الكاتب امام مدخل الجامعة. بيروت 2009 

 
إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
loai-
سيدي الكاتب نسيت ذكر السيدة الاولى كليبية بالجامعة وتظهر بالصورة هي الرائدة رباب ادهم وقالوا لنا بالجامعة ان اسم طالبة أخرى قدمت بعدها بسنة من ليبيا اسمها خيرية المبروك .....
التكملة
د علي اعبيد
كتابات الأستاذ سالم الكبتي كالمغناطيس القوي تشدك من أول كلمة إلى آخر كلمة، دون أن تستطيع الافلات منها حتى وأنت تتظور جوعا وطعام الغذاء يقبع بجنبك ناشرا رائحته النفاذة في…...
التكملة
امباشي بالجوازات
مالذي ذهب بك الى هناك عام 2009 يأستاذ سالم؟....
التكملة