د. أحمد ابراهيم الفقيه: مفارقات الحالة الليبية 2/6/2016 17:20 د. أحمد ابراهيم الفقيه: مفارقات الحالة الليبية
د. أحمد ابراهيم الفقيه بحث


شهدت مدينة القاهرة هذا الاسبوع ملتقى دوليا دعت اليه وزارة الثقافة المصرية متمثلة في المجلس الاعلى للثقافة الذي يرأسه الوزير الاديب الأستاذ حلمي النمنم، حول الحاجة الى  تجديد الخطاب الثقافي بمناسبة التحديات التي توجه  دول المنطقة العربية والاسلامية وبلدان العمق الافريقي، وبالذات ظاهرة الإرهاب، التي تمثل حالة من حالات التراجع والنكوص لما كانت تأمله هذا الشعوب من اسهام في التدرج الحضاري وتحقيق النهوض والتقدم واللحاق بحضارة العصر، وكانت الورقة التي شاركت بها في المؤتمر تستقي الأمثلة من الحالة الليبية، وما يحدث فوق ارض هذا الوطن العربي من كوارث، لا تختلف كثيرا عما يحدث فوق عدد كبير من اقطار المنطقة، ورأيت فيما حصل  من ظهور لهذا الغلو والتطرف في الدين الذي أنتج عنفا غير مسبوق في العصر الحديث، يرتبط باكثر رسالات السماء تسامحا، وقبولا للاديان الأخرى، رأيت في هذا التوحش الإجرامي التكفيري، وجها آخر لما ساد في المنطقة من قهر وكبت وحجر على الحريات والغاء للعقل وإستخدام للدين إستخداما مشوها، وقلت مقتبسا ما حدث بعد ثورات الربيع العربي: 

"عندما انطلقت ثورات الربيع العربي، التي انحرفت عن مسارها عندما ركبتها الجماعات الاسلامية السياسية، مدفوعة من اجندات اجنبية سوداء،  بشكلها المبدئي العفوي، من خلال الشرارة التي بدأت في تونس وسرت تجتاح عددا من الدول العربية، للاطاحة بانظمة استبدادية، وعصابات حكم استهترت بارادات الشعوب، وباعت واشترت في مقدراتها، ونهبت مواردها وثرواتها، كانت تستجيب لمعطيات في الواقع وفي نفوس البشر، وصلت الى مرحلة الانفجار غضبا وثورة بسبب ما احست به من مهانة، وما كان سائدا من ظلم وعسف وقهر واجرام، ولن نجافي الحقيقة اذا قنا ان اكثرهذه الانظمة الاستبدادية، استبدادا، وابلغها اجراما وسفها وفسادا وفسقا وفجورا، وخروجا على النواميس والقواعد التي يحتكم اليها البشر، هو النظام الليبي، بما اعتمده من سياسات، وما بني عليه حكمه وسلطانه من تحريك النوازع الرخيصة، والغرائز البدائية في النفوس، وشحنها بروح البغضاء، لخلق انصار يحمون حكمه الهمجي، ويطاردون ابناء الوطن الشرفاء، ويهددونهم بالتصفية المعنوية والجسدية، ويبقى السؤال المطروح في ليبيا الجديدة، كيف يمكن مسح اثار العدوان على النفوس والقيم، ومحاولات التشويه التي تعرض لها المعدن الاصيل للمواطن الليبي، وباية وسيلة نستطيع التعامل مع ميراث القبح والبؤس والتعاسة الذي تركه عهد الطاغية وراءه، عندما سافر الى الحلقة السابعة من الجحيم التى راها دانتي بعين الشاعر والفنان، مقرا ابديا للطغاة المجرمين، لانها اكثر الحلقات عذابا وقسوة وانتقاما، وماهي، يسأل الليبيون،  انجع وسيلة لإعادة العافية النفسية والروحية والبدنية لعقول وقلوب ونفوس وابدان، كانت هدفا لسهام مسمومة ورماح ملعونة  انطلقت من ترسانة القبح والبشاعة والجنون، وكهوف الظلام والجريمة، التي كانت في حوزة الطاغية الليبي، الذي كان شعاره الخالد، انا ومن بعدي الطوفان، ولذلك فان ما حدث من ارتباك وفوضى واحتراب وانتشار للسلاح لم يكن غير نتيجة من نتائج سياسات النظام المنهار، و تبعات لممارساته الإجرامية خلال اكثر من أربعين عاما، كانت الكلمة فيها للقمع، واستخدام العنف، وغياب الحوار والإحتكام الى الاساليب الحضارية في الحكم والتعامل مع المعارضين، وهاهو ميراثه يتحول الى حصاد مر، بعد رحيله، عنفا واجراما وفوضى وإرتباكا وإحترابا وخصومات سياسية تبدأ ولا تنتهي".

وناديت في هذه الورقة بإعادة الإعتبار للعامل الثقافي، وإعتماده أساسا في المشروع النهضوي الذي تسعى البلدان العربية الافريقية الى تحقيقة، ودخول المرحلة القادمة بسياسية ثقافية يكون قوامها الاساسي هذه التوليفة من القيم الدينية الحضارية والمدارس الادبية والفنية الزاخرة باللون المحلي ونكهة الارض وعبيرها، والتعليم الذي يستفيد من العصر دون ان يقطع الصلة بالتراث، وصولا الى الخطاب الثقافي الجديد الذي لا بناء ولا نهوض ولا تنمية ولا تربية ولا تحرر لعقل الانسان ووجدانه الا باعتماده سبيلا ومنهجا في سياساتنا، ومنحه الاولوية بعد ان كان مهمشا مهملا لحساب عوامل اخرى سياسية واقتصادية وعسكرية، لا ندعو لاهمالها ولكن ندعو الى ان تاخذ مكانها وتحظى بالعناية والاهمية بعد العامل الثقافي. ولا اجد ختاما افضل من وصية الراحل الكبير المفكر الافريقي على مزروعي الذي كان يقول ان التركيز انصر ف الى التسليح والى الموارد المادية والي الحسابات الاستراتيجية، واهملت الثقافة بشكل فادح وفاضح، ولا سبيل الى تحقيق التوازن المنشود الا بان نضع الثقافة في بؤرة الاهتمام والتفكير لكي نحقق النهضة المنشودة.

وتلقيت ردود أفعال الحاضرين من مثقفي الوطن العربي ومفكريه على هذه الورقة، التي أتت على طرف من المحنة التي تعاني منها ليبيا، معبرين عن إندهاشهم وإستغرابهم أن يحدث هذا في ليبيا، وهم يعرفونها بلادا ذات موارد بشرية ومادية ومعنوية، بالغة الثراء بالمعادن والثروات، وتتنوع مصادر الثروة فوق ارضها التي تبلغ مائة وستين مرة مساحة دولة مثل قطر، ومع ذلك تبقى عاجزة عن الاستفادة من ترواثها وموقعها ومواردها، ضاربة عرض الحائط بالخير الذي يسد حاجة أهلها جميعا ويفيض عن حاجتهم، ويستبدلون ذلك بالإحتراب والخصام والتنازع، وهي حالة مفهومة في بلد  شحيح الموارد يتعارك أهله على هذه الموارد القليلة، محاولين الاستحواذ عليها، أما ليبيا وهي وطن، بحجم قارة زاخرة بالوعود  والأمل، وتبشر مواطنيها بغد أجمل وأبهى، فهم يرونه عارا أن يترك أهل البلاد كل هذا الخير، ويتحركون في إيذاء أنفسهم، وجلب الشر لبلادهم، وحرمان ابنائهم من الاستمتاع بما تتيحه البلاد من عيش كريم رغيد.

* ينشر المقال بالتزامن مع نشره في صحيفة العرب.

د. أحمد ابراهيم الفقيه

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
Abdulhamid Elbarasi
Any gathering of Arab/Muslims intellectuals at this juncture of our history that shy away or avoid the , root causes and,the essence of our predicament dose not serve itself or…...
التكملة