خالد الهوني: رسالة إلى 7/6/2016 13:51 خالد الهوني: رسالة إلى "عُمـر حمزاوي"
خالد محمد بشير بحث

رسالة إلى "عُمـر حمزاوي"
 

أراسلك اليوم  يا عُمر، فى أول أيام شهر رمضان المبارك، لأنك  لن تكون فيه بيننا هذا العام، وسيفتقدك فيه إخوتك وأهلك، فقد كنت عادة تجلس معهم في بيت الاسرة، في وقت الغروب من كل يوم رمضاني، لتشُق فيه إفطارك بحبات من تمر "التاليس"، ولتبُلَّ ريقك برشفات من ماء آبار "وادي الحياة" العذبة، جالساً تحت ظلال نخيل واحتك الجميلة "تكركيبة"، متأملاً  وقت الغروب: بحر الرمال وأمواج كثبانه العالية المُتاخمة لها، وإن كنتَ في الآونة الاخيرة  لم تعد مرحاً كما هوعهد أهلك بك، فقد ضاقت بك الارض على رحابتها، ربما وأنت تتذكر  سلم حياتك الذي صعدته بخفة ورشاقة ظبي الصحراء  لتصل إلى أن تكون شاباً  طموحاً،   لكنك وللأسف لم   تحقق من طموحاتك الشيء الكثير.

تلك الواحة الصغيرة، وما جاورها من قرى ومدن وادي الحياة، والتي لم ولن  يعرفها الكثيرون، فتلك الرقعة الشاسعة التي كنت تسكنها وآلاف غيرك، والتي عرفت منذ القِدم باسم "فــزان"، ليست اليوم بالنسبة إليهم  سوى"مخزنٍ للماء والثروة"، هي رهن إشارة من لا يسكنون إلى جوارك، ليحسُّوا بألمك وبإحباطك، ولا يهتمون لأمرك، كما لا يدفعون مقابلا للحصول على معين الثروة الذي يرونه لا ينضب، فيما تراه أنت سبباً لجفاف  نخلاتك كل يوم، وتلوث بئر مزرعتك، ليصبح مآءها  ملحاً أجاجاً  بعد أن كان عذباً فراتاً... لا يدفعون مقابل ما يأخذون سوى كلمات بسيطة مثل "جنوبنا الحبيب"!!، وأنت تسمعها منهم في زياراتهم المتباعدة، والتي كنت  تنتظرها وغيرك بفارغ الصبر على أمل أن تحظى بفرصة مقابلة أي منهم، ليمنحك بكلمة أوتوقيعة  منه فرصة حياة أفضل  تستحقها بجدارة، لكنهم في كل مرة يمرون سريعاً وسط مواكبهم المهيبة محروسة بقوة، قوة تتوارى بعد مغادرتهم، تاركينك وأهلك فريسة للفاقة والعوز كما لقطاع الطرق وللمجرمين.

لكم أكبرتُ فيك يا "عُمر" حبك للعلم وشغفك للمزيد منه، والذي لم يكفِك ما حصلت عليه من تخرجك من كلية العلوم وهي اليوم في حالة يُرثى لها، كما هي "سبــها" عاصمة إقليم فزّان، فجمعت ما لديك من مالٍ ليس بالكثير، وشددت الرحال إلى بلاد الهند، التي  ليست بالقريبة من بلدك ولا طبعها من طبع أهلك ولكن لابأس في ذلك، فقد كان شعارك دائما: (فما نيل المطالب بالتمني... ولكن تؤخذ الدنيا غلابا). وهاقد غالبت وغُلبت يا عُمـر!!...

فعدت من رحلتك مُنكسراً، دون أن تبلغ مقصدك وتنال إجازة دراستك العليا... لم تُغلب لأنه لم ينقصك الشجاعة، ولا الاصرار على طلب العلم، ولا الذكاء، لكنك غُلبت لأن وطنك من خذلك، فأنت لا تنتمي لأيٍّ من مُدنه التي تصِفُ نفسها بالبطولة، ولستَ من ثواره الذين يُسمُّون أنفسهم  أشاوساً، ولا قبيلتك من قبائله المنعوتة بالشريفة، ولا واحتك، موجودة أصلاً على خريطته!!... فمن ينتمي لهؤلاء فقط هومن يحصل على كل شيء، على المال والسلطة والمناصب الرفيعة والدراسة المجانية في الخارج حتى وإن كان ليس مُؤهّلاً ولا يستحق  أياً مما ذكرت، وما يزيدك حرقة أنهم جميعهاً  ينهلون وبشراهة  من آبار  الذهب الاسود الغزيرة الذي تتراءى  شُعلات  منصات إنتاجه قريبة من واحتك، ولكن هيهات أن يصلك بعض من قبسها، لتنير به روحك المتألمة من حالتك المزرية، أوتحصل حتّى على فرصة عمل، في أحد المواقع النفطية  داخل منطقتك،   فهذا حسب اعتقادهم ليس من حقك، ولربما لا يحق  لك مُجرَّد الحلم بذلك.

أنا أعرف البحر، وأعرف أهواله، وأعلم أن ما دفعك لركوبه مخاطراً بحياتك، هواليأس والقنوط الذي بلغ من روحك كل مبلغ، فتركت وطنك الذي ما عاد لك، بعد أن أستباحه السُرّاق، وعاث فيه فساداً القتلة والمجرمون، ولكن كأن خيطا من الحنين كان ما يزال يشدُّك إليه، فرفضت أن تتخلى عن وثيقة  سفرك الليبية، لتكون جوازاً لك في رحلة العودة إلى وطنك الذي غادرته حياً وعدت إليه جثة هامدة... رحمك الله يا "عُـمر حمزاوي"، يا "فزَّاني" كما هوأنا، فكلانا ينتميان إلى أقليم  مُهمش ومنهوب  ومُهان... قاد عاد، كما كان من ذي  قبل "نسـياً منسياً".

خالد محمد بشير الهوني

* "عُـمر حمزاوي"، شاب ليبي من قرية "تكركيبة"، بوادي الآجال، من الجنوب الليبي، غرق في البحر منذ يومين، في محاولة له للهجرة إلى أوروبا، عبر قوارب الموت، التي وجد عبرها أملاً لم يجده في وطنه ليبيــا، وقد تم التعرف عليه بواسطة جواز سفره الليبي الذي وجد مع جثته.

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
غيث سالم سيف النصر
وصلت فينا ، رحمه الله ، وصمة عار لكل من يتصدى لمسؤولية مهما كانت صغيرة ودمه فى رقبة كل مسؤول ....
التكملة
الورفللي
كنت اعتقد انك تتحدث عن عمر حمزاوي المحلل والناشط السياسي المصري المشهور. لا بأس لكل بلاد حمزاويها، لكن حمزاوينا كان رمز لمأساة بحجم الوطن.. اللهم أغفر له وأرحمه....
التكملة
صديق عمر
أشكركم سيادة الكاتب خالد الهوني عَلى ما تفضلتم به من كريم عبارة ومن طيب قول في حق صديقنا الفقيد العزيزي عمر حمزاوي يرحمه الله ونسال الله أن يجعل ذلك في…...
التكملة
ليبي
الله يرحمه ويصبر أهله و ذويه . باين عليه إنسان شريف و مكافح يبحث عن عمل خارج بلاده بعد ضاقت عليه أرضه و وطنه الذي ضاق على الليبيين وأصبح مرتعاَ…...
التكملة