د. احمد ابراهيم الفقيه: ليبيا... معاناة شهر الصيام 9/6/2016 00:35 د. احمد ابراهيم الفقيه: ليبيا... معاناة شهر الصيام
د. أحمد ابراهيم الفقيه بحث

حادث طريف يأبى ان يغادر ذاكرتي رأيته عندما كنت صبيا في الخمسينيات، في بلدتنا الصحراوية، فقد شاهد شاويش اسمه مفتاح، سائق شاحنة، تقف في السوق، ينفث دخان سيجارته وهو جالس امام مقود الشاحنة، في عز الظهيرة، في يوم من أيام الصيام،  فأخرج المسدس من جرابه يريد اطلاق النار عليه لارتكابه هذه الجريمة النكراء، ولكنه تذكر ان عملية اعدام شخص يحتاج الى إحضار شهود يؤكدون ارتكابه للفعل الحرام، فصاح وسط السوق يدعو اهله لمشاهدة المجرم الزنيم، فجاءوا يركضون من كل صوب، ولعلني كنت واحدا منهم، يتحلقون حول الشاحنة، فاقفل السائق الزجاج وبقى جالسا خلفه يرتعش، وقد اقنعوا الشاويش ان يعيد مسدسه الى مكانه، لان الرجل يجب ان يقام عليه الحد، والحد كما قالوا هو رجمه بالحجارة حتى الموت، ومرت بالسائق المسكين لحظات رعب، قبل ان يأتي بعض العقلاء، ليقولوا ان للمسافر رخصة الافطار، اذا تجاوز في سفره مسافة حددها الشرع، وان حد الرجم لا علاقة له بافطار الصائم، واتضح فيما بعد ان السائق مواطن مصري قبطي، وكان منظرا غريبا ان يرى اهل البلدة انسانا عربيا غير مسلم.                                                                               

هذه صورة من قوة الالتزام بالصيام وحدته في عقلية بسطاء الناس، واعتبار كسره جريمة تستحق الاعدام، وعلى الجانب الآخر كان اهل القرية يرحبون باستضافة اي غريب يصلها في شهر الصيام، ويشهد مقر الجامع،الذي غالبا ما يقصده الغرباء، نزاعا بين الناس عمن يستأثر بشرف الاستضافة لهذا الغريب او ذاك، ويصعب جدا ان يرى الانسان مواطنا في ليبيا يجرؤ على كسر صيامه امام الناس كما يحدث في البلدان  العربية والاسلامية الاخرى.         

الايام التي سبقت حلول شهر الصيام، شهدت خلالها العاصمة الليبية، طرابلس، موجة حر غير مسبوقة، وغير معهودة، في مثل هذا الوقت من العام، وترافقت هذه الموجة مع انقطاعات يومية في الكهرباء، بلغت مددا قياسية في غيابها، وصل الى عشرين ساعة، وهو انقطاع لا يشكل الا وجها من اوجه المعاناة الكثيرة والمتنوعة التي ابتلي بها شعب يعيش فوق بحيرات من النفط،  الطاقة التي تسير بها عجلة الصناعة والحضارة في العالم، وهو محروم من ابسط ثمارها ونتائجها،  بسب حماقة وجاهلية وجهل البلاطجة الذين تسيدوا خلال السنوات الخمس التي اعقبت الثورة على المشهد السياسي واداروا البلاد بعد سقوط النظام الانقلابي، وقد صار يظهر الآن وكانه النظام المنقذ، لانه كان قادرا على قمع كل هذه القوى، قوى الشر والدم والجريمة، التي كانت ساكنة جامدة لا يرى لها الناس حراكا، ولم يروا لها أثرا الا بعد زوال الطاغية وطغمته الحاكمة، حيث انطلقت بعد سقوطه اهوال الصراعات واشتعلت الحرائق وسالت انهار الدم، على ايدى هذه الميليشيات ومن ناصرها وشايعها واستفاد من وجودها ليكون واجهة سياسية زائفة لها. الوجه الثاني من اوجه المعاناة في العاصمة هو توافق اختفاء السيولة وعدم وصول المرتبات الى اهلها، مع ارتفاع جنوني في الاسعار، والسوق الذي تحول كله الى سوق سوداء، خارج السيطرة، وخارج القانون، وخارج المحاسبة والمساءلة، فكان طبيعيا ان تتحول الاسواق في ليبيا الى غابة يأكل قويها ضعيفها في غياب الدولة.

واذا كانت هذه معاناة اهل العاصمة طرابلس، التي انتهت فيها الاشتباكات المسلحة، فماذا عن مناطق كثيرة اخرى مازالت تعاني من احتراب الميليشيات او الارهاب والجيش، وتتجدد فيها الصراعات والاشتباكات، مثل بني غازي وسرت ودرنة والكفرة ومناطق كثيرة في الجنوب، وكيف انعكست هذه الاوضاع على الحالة المعيشية في ليبيا انعكاسا كارثيا، يكفي دليلا عليها الصرخات التي يطلقها السيد على الزعتري المنسق الدلي للشئون الانسانية في ليبيا الذي  مازال يحذر من الكارثة الانسانية، على مستوى تردي الوضع المعيشي، والصحي، الى حد  وصفه للبلاد بانها بلد تعيش في غرفة انعاش.

الشعب الليبي شعب عميق الايمان، ولعل ايمانه هو الذي يجعله صابرا محتسبا، راضيا بحياة الزهد والتقشف والبؤس، حتى في هذا الشهر الكريم، ويرنو بامل ورجاء، ان يكون هذا الشهر الذي انزل فيه القرآن، بفضل مكانته عند الله، وعظيم قدره لديه، فاتحة خير وسلام، فهو شهر كما يقول نبي الاسلام، تفتح فيه ابواب الجنة، وتغلق فيه ابواب النار، وهو الشهر الذي يصفد فيه الشياطين، والمردة من الجن، لمنعها من ايذاء الناس، واراحة عباد الله من شرورهم ومكائدهم، وطالما انه كذلك، افلا يسرى هذا القانون الالهي على المردة من الانس، الذين احالوا حياة اهل البلاد جحيما، فينهي الله شرورهم، ويغل ايديهم عن ايذاء الناس وجلب الضرر لهم. انهم يتطلعون، ان يتغلب اهل الخير على اهل الشر، واهل النفوس السوية على اهل النفوس المريضة، وينتصر في ليبيا الحق على الباطل، ويفوز الجانب الوطني الذي يكبر ليبيا ويسعى لمصلحتها على الجانب العنصري والعشائري والمناطقي، الذي لا يكبر غير نفسه ومصالحه ومصالح ابناء عشريته.

وجميعنا نقول ان مشاكل ليبيا مشاكل هينة يسيرة، ولكن هناك من ينفخ فيها خدمة لاهواء ومصالح ومنافع ذاتية واستجابة لاجندات اجنبية، وانه يمكن اذا صدقت النوايا ان يتم حلها اثناء الجلوس على مائدة رمضانية، بين الاطراف المتخاصمة، وتهنئة لكل القراء بالشهر الكريم.

د. احمد ابراهيم الفقيه

* ينشر المقال بالتزامن مع نشره في صحيفة العرب.
 

  

موقع الكاتب

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
عابر طريق
الثائر احمد التركي يريد أن يراك يا أستاذ أحمد تنتعل شبشب صبع وترتدي بدلة عربية ممزقة الاكمام وتمتطي صهوة اربعطاش ونص.. هكذا يعرف السيد التركي الوطنيين حصرا وقصرا حسب أبعد…...
التكملة
Ali Rafa
An article with a great meaning. Thanks Dr Alfaqih. Happy Ramadan...
التكملة
ليبي صريح
يا استاذ احمد ابراهيم الفقيه..اعرفك منذ ان كنت صغيرا، فانت رمز من رموز الادب العربي وكاتب ليبي معروف ومميز، والمفروض ان تكون محترفا ولا تستفزك كلمات مبهمة لا معنى لها،…...
التكملة
احمد ابراهيم الفقيه
بطريقة غاية في الاستهجان تساءل شخص باسسم احمد التركي قائلا بلهجة الاستهزاء والسخرية وينك ياسيد صامت صمت القبور وهو يعلم انني لا اكتب حسب طلب امثاله ولا انتظر من يوجهني…...
التكملة
احمد التركي
وينك يا سيد ساكت صمت القبور على ما يجري في سرت ، التريس تتقدم وتضحي وأنتم في سبات عميق ان شاء الله المانع خير...
التكملة
الباين
الشاويش مفتاح كان غلطان شويه! فسائق الشاحنة ربما كان على سفر و يحق له أن ينفث دخان سيجارته، في عز الظهيرة، في ذلك اليوم من أيام الصيام....
التكملة
زميل
كفى مبالغات أيها الكاتب الكبير انا ابن منطقتك وكنت حاضرا ذلك الموقف لكن لم يشهر الشاويش مسدسه هو فقط استاء من الامر وبدا يوبخ السائق امام الناس.... اتقوا الله في…...
التكملة
مشارك
الزنيم: ابن الزنا. مع ان الله سبحانه و تعالى استعمل الكلمة من ضمن ما اوحى به الى محمد، الا انني لا أرى ضرورة استعمال اللفظ هنا. "لم يسبق ان رأوا عربيا…...
التكملة
ليبي صريح
مازلنا نحن الشعب الليبي نعاني من الجهل والتخلف المبني على تعصب ديني لا واعي. الاخ الكاتب الاستاذ الكبير أحمد اشار الى موقف يتذكره والحقيقة هو ليس بموقف ظريف بقدر ماهو…...
التكملة