سالم االكبتى‎: من حكايات الاْفطار 10/6/2016 02:13 سالم االكبتى‎: من حكايات الاْفطار
سالم الكبتي بحث

فى مثل هذه الايام كان ذلك...

اشتعلت المدينة مثل الجحيم. لهب يرتفع نحو السماء. وحرائق فى عز يونيو. الحرارة تشتعل تحت وفوق. وتدمير لكل ماتطاله الاْيدى فى الشوارع والازقة والميادين. خراب يعم والحريق كان استمرارا لمعارك تدور هناك اْصابت المواطن فيما بعد بالخيبة وجللته بالعار.

وهنا.. معارك اْخرى...

مظاهرات ومسيرات غاضبة. صيحات تهدر ولاتتوقف. عبدالناصر ياحبيب.. بكره تدخل تل ابيب. وزحام وركض وخوف لدى البعض خلف اعتاب البيوت.. والمذياع يلعلع عن تساقط طائرات العدو مثل الذباب. اْحمد سعيد وزمانه. والناس فى حيرة وذهول. يصدقون فالقول ماقال صوت العرب. بعضهم جهز نفسه لشد الرحال الى ثالث الثلاثة فى القدس!

هنا... انتقام لا مبرر له. تحطيم وتدمير وخراب اْسود.. ردود اْفعال سيئة ومشينة يخجل منها التاريخ رسمت عنا لوحة رديئة امام العالم. لم يبق شيئا فى المدينة او الضواحى لم يطاله العبث اْو الانتقام.. المحلات التجارية والورش والمعامل ومخازن الاخشاب والمراكز الثقافية والسيارات والحانات التى فاحت روائحها عبر الميادين. بعضهم داخ من الرائحة المنتشرة رغم الثورة وفلسطين. لاوقت للشراب. والرعب خيم على المدينة. فى اْيام لاحقة اضطر الباكستانيون وغيرهم من الرعايا الاجانب لوضع ملصق على زجاج سياراتهم بخط عربى ردىْ (مسلم) ليستثنى نفسه من الغضبة المضرية! 

كل شي لم ينج من اليد العابثة. كاْن موشيه دايان اْو ليفى اشكول كانا هنا يترقبان ويسعيان فى المدينة الغاضبة.. والشوارع تهدر والحرارة تشتعل فوق وتحت والقنابل المسيلة للدموع والمياه الساخنة والهتافات.. عبدالناصر يابطل. والمدينة كلها تشتعل.. تحترق. غضبة فى غير محلها كالعادة. فطن الجميع بعد مرور وقت. 

والمذياع فى البيوت والمقاهى وعلى النواصى وفى السيارات يلعلع عن انتصارات وهمية عند ضفة القنال والعريش ولم يتوقف الراكضون الغاضبون العابثون هنا. لم ينقطع الحماس.

لم يتوقف الشتم واللعن.. اسرائيل يابنت ستين كلب. سيرمى بك الرجل فى البحر. يا اسرائيل ماذا نريد باليهود هنا. هذه بضاعتك ردت اليك. سترين المزيد! 

ولم ينقطع الركض. غاب صوت العقل. ارتفع مد الجنون. ثم وصلوا الى تلك الشقة. العروق بلغت الحناجر والدماء تفور والعرق يهطل. وصلوا عند الظهيرة الى تلك الشقة. كانت تطل على المسجد العتيق وسط المدينة. لم يسمع اْحد اْذان الظهر. 

كانوا يريدون قتل صاحبها. كان يهوديا معروفا فى المدينة. اْقتسموا معه العيش وشاركهم فى اْموالهم.. وذاقوا طعامه فى رمضان. كان جزء من نسيجهم الاجتماعى! خرج الجيران يتفرجون ولايصدقون. الخوف والرعب. الظهيرة والحرارة. يونيو والجحيم يدقان الابواب هنا فى بنغازى.. فى تلك الشقة المطلة على المسجد العتيق فيما غاب صوت اْذان الظهر. 

من بين الجيران. عبر التدافع والتداعك سمع صوت اْكثر غضبا واْن كان هادئا ورقيقا. نهرهم وعاتبهم وردهم على اْعقابهم.. (تحشموا. هذا ليبى كيفكم. ماذا فعل لفلسطين. انه هنا فى بنغازى ما دخله. فلسطين هناك اْذهبوا لتحريرها اْن كنتم رجالا. ما شاْن الرجل بما يجرى هناك. اْنه ليبى منكم وكيفكم.. شن دارلكم. عيب تحشموا). 

شعروا بالخجل. رجعوا مسرعين عبر السلالم واْحتواهم الميدان بمزيد من الغضب.. الميدان الذى لم يسمع فى جنباته صوت اْذان الظهر فى تلك اللحظة. 

كان الرجل فنانا اْسمه على الشعالية عرف قيمة الجوار والعيش المشترك والتسامح. عرف الامور جيدا. كان فنانا حمى جاره الذى اْسمه (بدوسه) فى ذلك اليوم الذى خلت فيه المدينة من اليهود.

من يحمى جيرانه اليوم؟!!

سالم االكبتى‎


الصور: الغضب والحرائق فى بنغازى. الاثنين 5 يونيو 1967. (من اْرشيفى
وتصوير صديقى محمد البعباع فى اليوم نفسه من قلب الحدث)


 

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
مشارك
نعم لمن قال اننا كنا ضحية مؤامرة ولكن المؤامرة اكبر من العرب ومن المسلمين ومن اليهود معا وبدات منذان شعر الاوروبي باستحالة الاستمرار في سياسة الاستعمار ولاستعلاء العرقي-الديني فبدات تتفق…...
التكملة
محمد بوسنينه
أتذكر ذلك اليوم جيدا في بنغازي ، لقد تعرض الشعب الليبي لعملية غسيل مخ كبيرة في تاريخه مرتين الأولي برعاية جامعة الدول العربية في الأربعينيات ، والثانية في زمن (أمجاد…...
التكملة
NADIA
Those who do not learn History are Doomed to Repeat it...
التكملة
غيث سالم سيف النصر
للاسف استاذ سالم صباح ذلك اليوم المشئوم كنت ومجموعه من زملائي من موظفى وزارة الخارجية نهتف عبد الناصر ياحبيب!! الساعه 12 فى تل ابيب وندبج برقيات الاحتجاج الى الملك ورئيس…...
التكملة
محمود سالم
اليهود الليبيين وقع عليهم ظلم من الشعب الليبي الذى تاثر بنعيق صوت العرب انئذاك ،وماحصل لهم من حرق ممتلكات ونهب وسرقة واعتداء عليهم ومقتل البعض منهم يعتبر عار على جبين…...
التكملة
ليبي3
تاريخ حزين وقليل من الأمل قراتة في السطرين الأخيرين. وهذا يبين نسبة الأمل في مستقبل ليبيا سطرين مقابل باقي سطور المقال وانشالله نطلع غلطان...
التكملة