جمعة أحمد عتيقة: عن عبد المولى دغمان أحدثكم 13/6/2016 02:23 جمعة أحمد عتيقة: عن عبد المولى دغمان أحدثكم
جمعة عتيقة بحث

رجل من رجال ليبيا الأفذاذ وعلم من أعلام التنوير والثقافة والتعليم في بلادنا... تشرفتُ بمعرفته والجلوس إليه والنهل من معين علمه وتجربته وتأثرتُ بخصائص شخصيته التي زاوجت بين الثقافة الرصينة والتواضع الجمّ... نشأ المرحوم عبد المولى نشأة عصامية كأبناء جيله كابد فيها شظف العيش في بلد كان أهله أنذاك يقتاتون بالصبر والكبرياء... وكان ذلك مصدر فخر عنده كثيراً ما يشير اليه في أحاديثه... ثابر واجتهد حتى نال اعلى الدرجات العلمية في علم الإجتماع وتدرج في مراتب الوظيفة العامة حتى صار رئيساً (للجامعة الليبية) وترك بصمة مميزة في تطويرها والرقي بها ودافع عنها بمواقفه المحفورة في ذاكرة جيلنا... لعل أبرزها كانت سنة 1964 أثناء ما عرف بأحداث الطلبة وكان رحمه الله أنذاك عميداً لكلية الأداب... فقد أرادت قوة أمنية تابعة للسنوسي الفزاني  قائد القوة المتحركة أنذاك إقتحام الجامعة للقبض على بعض قيادات الحركة الطلابية فما كان من المرحوم عبد المولى إلا أن وقف في بوابة الجامعة الحديدية ساداً مدخلها بجسده, فارداً ذراعيه في مواجهة (السنوسي الفزاني) قائلاً "قسماً بالله يا سنوسي لن يدخل فرد من أفراد قوتك الحرم الجامعي إلاّ على جثّتي!.." وهكذا هي مواقف الكبار!

جاء حكم العسكر في سبتمبر 1969... وأثار وقع الاحذية الغليظة غبار الجهل والتجهيل... وإعتقل الأستاذ عبد المولى لفترة وجيزة... أذكر أنني زرته بعد الإفراج عنه في بيته رفقة صديقي د. مصطفى بوشعالة (بودودة) فوجدناه كعادته قوياً واقفاً رغم ما يلوح في عينيه من ظلال حزن وقلق على مستقبل البلاد بعد الإنقلاب وعندما هممنا بالمغادرة أصرّ على أن نتناول معه الغذاء... ودعناه ولم التق به بعدها إلا في سنة 1972 في سجن الحصان الأسود... ذلك الحزن والقلق الذي لمحناه في عينيه ومحياه على مصير بلاده لم يدفعه الى التماهي مع ما حدث والقبول بتسليم بلاده الى مخالب الإنقلابيين فشرع في حراك مدني رافض للقبعات الفاشية قاده معه المرحوم أحمد بورحيل... فقاموا بطباعة منشور وتوزيعه يحذر الناس في بلاده من خطورة ما حدث ويحثهم على التصدي ومقاومة العسف والإستبداد... وكان الناس يومها يساقون بعاطفة محمومة لتأييد الإنقلاب.

قبض على الأستاذ عبد المولى والأستاذ بورحيل... وتعرضا لأصناف بشعة من التعذيب والتنكيل في سجن الحصان الأسود بطرابلس... كانا فيها مثالاً للصمود والكبرياء والمواجهة وضربا مثلاً في الرجولة والإيثار. حدثني ضابط اعرفه كان ضمن هيئة التحقيق مع الأستاذين بأنه أثناء المواجهة بينهما والسؤال عمن اصدر المنشور محلّ التهمة ان كلاً منهما كان يؤكد بأنه هو من قام بذلك وأن الأخر لا علم له به.. هكذا هم الرجال ابناء ليبيا الشرفاء.

زرت الأستاذ عبد المولى في سجن الحصان الأسود سنة 1972 كما ذكرت صحبة شقيقه (الفنان نوشي خليل) وحينما ادخل علينا في غرفة الزيارة كان هاشاً باشاً كعادته رغم ما كابده من معاناة مرة! وأذكر شخصاً ادخل معه لزيارة أسرته قدمه لي وكان إسمه ((صالح الغزال)) أطال الله عمره الذي عرفته عن قرب في قادم الأيام... سخرية الأستاذ عبد المولى اللاذعة تحدّت الواح الأسمنت في ذلك الباستيل الرهيب... وبعد مجاملات وسلامات وتمنيات من جانبي قال رحمه الله باسماً "المخرج عايز كده"!!

أفرج عنه بعد عشر سنوات وزرته في بنغازي التي أحبها واحبته وعاد اليها شامخاً واقفاً صاحب موقف لا يعرف المهادنة.. عاش بين أهلها متواضعاً يرافق خطواته على شوارعها عنفوان لا يعرف الإنحناء... تدبر أمر معاشه بقدراته الذاتية وعلمه ومعرفته.. عمل مترجماً لدى إحدى الشركات ولم يجد في ذلك غضاضة... بل عملاً وفر له ولأسرته دخلاً يمنع عنه ذل السؤال أومحاولات الإحتواء.. وهو الذي أخرج من الوظيفة بذمة مالية ناصعة البياض.

كانت أخر مرة التقيه فيها في مأتم المرحوم خليفة الفاخري في بنغازي سنة 2001 قادني الصديق نور الدين الماقني الى حيث كان يجلس وكان اللقاء حميمياً وكان رحمه الله ممتلئ بالحيوية ولم تزده الأيام إلا شموخاً... وأذكر أنه شكرني على مقال كنت قد كتبته أثناء تواجدي في الخارج عن الدكتور (عبد الرحمن بدوي) بعنوان "بدوي أميّاً في سجون القذافي" فقد رأى فيها تكريماً لهذا العالم الجليل الذي كان هومن احضره للتدريس في الجامعة الليبية سنة 1967 من جامعة السوربون وساءه كثيراً أن يلقى على يد الإستبداد ما لاقاه... بعد ذلك بزمن لم يطل... توفي الاستاذ عبد المولى... وسكن ثرى مدينة نقش اسمها في قلبه وكيانه ووجدانه (بنغازي).

رحم الله هذا العلم العالم... والوطني الصادق وعوض الله الوطن فيه رجالاً من  طينته ومعدنه واصالته.

جمعة أحمد عتيقة

ـــــــــــــــــــــــــــــ
إقرأ أيضا للكاتب:

- عن محمد حمّي أحدثكم
- عن عبد الحميد البكوش أحدثكم
عن محمد عثمان الصيد أحدثكم
- عن علي مصطفى المصراتي أحدثكم

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
محمد فرج دغيم
شكرًا دكتور جمعة لوفاءيك و ًإطرائك للأستاذ عبد الملي دغمان الذي نذكره ونتذره صديقا وفيا وأستاذا جامعيا ووطنيا غيورا علي الوطن واحد بناة الجامعة الليبية وخاصة المدينة الجامعية في بنغازي…...
التكملة
نورالدين دغمان
جزاك الله كل خير على هذه المقالة الرائعة. خلال زياراتي المنتظمة والمتكرره لعمي الاستاذ عبدالمولى كان يحدثني كثيرا وبإعجاب عن شقيقكم الاستاذ علي فاتمنى من حضرتكم ان تحدثنا عنه....
التكملة
صلاح بشير المرغني - المحامي
للتاريخ وشهادة على تاريخ... في اوخرشهر سبتمبر من العام 1968 رفقة عدد من الزملاء في أعقاب نجاحنا في الثانوية العامة توجهنا الى كلية الحقوق الجامعة الليبية في بنغازي حيث اجرينا…...
التكملة
ابوفارس
شكرًا للكاتب على هذه اللفتة الطيبة رغم انه لم يقدم الا القليل للتعريف بالمرحوم عبدالولى ومسيرته العلمية والسياسية ومواقفه الرجولية. كنت طالبا فى كلية الاقتصاد والتجارة عندما كان الاستاذ عبدالولى…...
التكملة
عبد الله
شكراً أيها الكاتب المحترم على تعريف القارىء بهذا الرجل العصامي الوطني الغيور الذي يستحق التخليد ليس في ذاكرة أهل بنغازي وشرقنا الحبيب بل في ذاكرة كل الليبيين ومن يحملون فكراً…...
التكملة
سعيد رمضان
هل حقا أن الأستاذ الفاضل رحمه الله (عبد المولى دغمان) هو من قام بالتوقيع على رسالة فصل الملازم المنتسب للجامعة بكلية الأداب قسم التاريخ "معمر القذافى "نظرا لأستنفاذه سنوات الرسوب…...
التكملة
سامي الجيلاني
قرات مقالك عن عبد الرحمن بدوي. لاشك ان وضعه بالسجن كان جريمة. ولكن صاحب الكتاب الاخضر لم يكن يقرأ ويكتب فقط بل كان صاحب فكر اتفقنا ام اختلفنا معه....
التكملة
محمد محود
في الوقت الذي أشكر فيه د. جمعه علي هذه المقالة للتعريف بأحد الشخصيات الوطنية ؛ آحب أن أضيف بأنه وقبل أن يعمل بالشركة الكورية (دونق آه) لديه قطعة أرض بور…...
التكملة