ابراهيم محمد الهنقاري: الاسلام والمسلمون والدولة الحديثة...!؟ 15/6/2016 15:50 ابراهيم محمد الهنقاري: الاسلام والمسلمون والدولة الحديثة...!؟
ابراهيم محمد الهنقاري بحث

بسم الله الرحمن الرحيم. {ولتكن منكم أمة يدعون الى الخير ويامرون بالمعروف وينهون عن المنكر واؤلئك هم المفلحون. ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات واؤلئك لهم عذاب عظيم}. صدق الله العظيم.

هاتان الآيتان من سورة ال عمران تلخصان الى حد كبير مجمل القيم العليا التي جاء بها الدين الاسلامي الحنيف. وليس هناك نص جامع في كل ما  كتب عن مكارم الاخلاق ابلغ من هذاالنص. فالدعوة الى الخير والامر بالمعروف والنهي عن المنكر هي الخصال التي ماتمسك بها الفرد اوالمجتمع اوتمسكت بها الامم الا كانوا جميعا من المفلحين حقا. وهي في الوقت نفسه الخصال التي ما تركها الفرد اوالمجتمع اوتركتهاالامم الا كانوا جميعا من الخاسرين.

والمتتبع لتاريخ الشعوب عبر العصور يجد اكثر من مثال يؤكد ذلك. بل انه يمكن القول ان جميع الكوارث والنكبات غير الطبيعية التي مرت بها شعوب الأرض اي تلك التي هي من صنع الانسان انما تعود الى مخالفة تلك الشعوب لما تدعو اليه هاتان الآيتان الكريمتان من تلك الخصال الحميدة.

اما الآية الثانية التي تشير الى عاقبة الذين تفرقوا واختلفوا بعد ان "جاءهم البينات" فإنها لا تقل بلاغة عن الآية الاولى. ذلك لان الفُرقة والاختلاف بين الناس بعد ان يكون قد "تبين" لهم الحق لا يعني فقط انهم قدخالفوا التمسك بالخصال التي وردت في الآية الاولى ولكنها تعني أيضاً انهم يخالفون العقل والمنطق وحقائق الاشياء لانهم يخالفون ما "تبين" لهم بالدليل العقلي والمادي انه الحق. ولذلك وجب ان يكون عقابهم هوالعذاب العظيم.

لقد اخترت هذه المقدمة القصيرة لتكون هي المدخل الى هذا الحديث عن الاسلام والمسلمين والدولة الحديثة وذلك للأسباب التالية بعد ان كثر الخصام حول الاسلام والديموقراطية وحول الملاءمة بين الاسلام ونظم الحكم الحديثة:

1- ان الدين عند الله الاسلام. اي ان جميع الكتب السماوية وجميع الرسالات وكل انبياء الله انما كانت دعوتهم الى دين الله الواحد وهوالدين الاسلامي. والحديث هنا عن "الدين" وليس عن السياسة. 

2- ان الفرق الرئيسي والوحيد بين الدين الاسلامي الخاتم وبين الديانات الاخرى هي انه جاء للناس "كافة". وليس للعرب وحدهم  كما كان الشان في الديانتين السابقتين اللتين أنزلهما الله على بني اسرائيل اوكما كان من شان انبياء الله ورسله الاخرين الذين ارسل كل منهم الى قومه دون غيرهم. 

3- صحيح ان القران الكريم انزل بلسان عربي مبين ولكنه حوى أيضاً ما لم يكن بالإمكان ان يعيه اويفهمه العرب وقت نزول القران واعني بذلك تلك الحقائق القرانية التي اثبتتها الاكتشافات العلمية الحديثة بعد عدة عصور من  انقطاع الوحي. وهذه لابد ان تكون احدى المقاصد من ان النبي عليه الصلاة والسلام انما ارسل للناس كافة. والناس انما تعني جميع البشر. وهذه لابد ان تكون أيضاً احدى المقاصد من ان الاسلام كدين صالح لكل زمان ومكان. 

4- من هنا كان لابد ان يكون هذا الدين الذي جاء لكافة الناس مستوعبا كذلك لفهم الناس جميعا له ولا ينبغي أبداان يحتكر العرب وحدهم فهم هذا الدين وتاويله. والله سبحانه وتعالى يقول: "وما يعلم تاويله الا الله". "والراسخون  في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر الا الوالألباب". وواضح ان المقصود بالراسخين في العلم جميع العلوم وليس العلوم الشرعية وحدها كما يحلولبعض الناس ان يعتقدوا بدليل قوله تعالى: "وما يذكر الا الوالألباب" اي اصحاب العقول. واصحاب العقول قد يكون من بينهم من فهم النص الديني الفهم الظاهر من المسلمين ولكن من بينهم ايضا وبالتأكيد اؤلئك العلماء الذين نبغوا في العلوم الطبيعية وغيرها وحققوا تلك الاكتشافات العلمية الكبرى التي وردت الإشارة اليها في العديد من آيات القران الكريم والتي فطن اليها أولوا الألباب  من غير المسلمين والتي أقنعت الكثير منهم بعد ذلك باعتناق الدين الاسلامي بعدما "تبين لهم" انه الدين الحق وهي الاكتشافات التي اوصلت البشرية الى ماهي عليه اليوم من التقدم في مجالات الطب والاتصالات والفضاء والطاقة وغيرها من المجالات التي تقوم عليها الحضارة الانسانية الحديثة وكلها من آيات الله الذي علم بالقلم علم "الإنسان" وليس "المسلم" وحده ما لم يعلم وليست تلك أبدا من البدع كما يحلوا لبعض الجاهلين من المسلمين أن يدعوا.  ومن المعروف ان من بين هؤلاء ايضا عدد من العلماء المسلمين الذين كان لهم السبق في مجالات علمية كثيرة كالطب والكيمياء وعلوم العدد كالجبر والهندسة كما كان لهم الفضل في نقل التراث العلمي الانساني القديم الى اوربا في القرون الوسطى وما قبلها. ولا شك ان اؤلئك هم ايضا من أولي الالباب.

5- ان الناس جميعا مدعوون الى فهم هذا الدين الفهم الصحيح وتطبيق أحكامه على النحوالذي يحقق سعادة الانسان التي هي اولا وأخيرا  الغاية القصوى التي تهدف جميع الديانات السماوية الى ان يصل الانسان اليها.اي سعادة الدارين ، الدنيا والآخرة. اي  ان عبادة  الله باتباع أوامره ونواهيه هي التي لابد ان  تحقق سعادة الانسان. ولعل ذلك هوما  تشير اليه الآية الكريمة: "وما خلقت  الجن والإنس الا ليعبدون". فإذا ماأدى المخلوق ما أمره الله بادائه وانتهى عما نهاه عنه سعد في الدارين الدنيا والآخرة.

6- من هنا لم يكن من نافلة القول أن يقرر نبي الإسلام صلوات الله وسلامه عليه أن هذا الدين قد بني على خمسة أركان يعرفها جميع المسلمين وهي الايمان بوحدانية الله سبحانه وتعالى والتصديق برسوله وأقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من استطاع اليه سبيلا. والمسلم تعريفا هومن امن وعمل بهذه الأركان الخمسة واداها. أن أربعة من هذه الأركان الخمسة لا يمكن لطرف ثالث الاطلاع على صدق إيمان المسلم بها فهي علاقة مباشرة بين المؤمن وربه سبحانه وتعالى ولكن الامتناع عن أداء الزكاة يمكن أن يعلم بها باقي المسلمين لانها تذهب إلى بيت المال أوإلى من يستحقها من المسلمين بعلمهم أوبعلم الدولة اوبعلم المستفيدين منها ومن هنا جاء النص في الحديث بان حساب المسلم بعد اعتناقه الاسلام انما يعود الى الله وحده سبحانه وتعالى الذي يعلم بالسرائر وما تخفي الصدور.

7- هناك الكثير من سوء الفهم لبعض الاحاديث التي رواها المتأخرون عن النبي نقلا اوبالإسناد الى بعض الصحابة رضوان الله عليهم. من ذلك ما جاء في حديث عبد الله بن عمر الذي رواه كل من البخاري ومسلم وهوأن الرسول الكريم قد قال أن الله قد "أمره بقتال الناس حتى يشهدوا أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فان فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام ثم ان حسابهم بعد ذلك على الله". والملاحظ في هذا الحديث أمران مهمان: الأول استثناء الصيام والحج وهمامن الأركان الخمسة وذلك فيما ارى لما ورد في شأنهما من شرط الاستطاعة في الحج والخيرة في الصوم. والأمر الثاني هوأن حساب المسلمين بعد ذلك هوعند الله وليس عند المفتي أوحتى عند الحاكم.

ولا ينبغي ان نفهم ان ما جاء في هذا الحديث عن قتال الناس بأمر الله يتجاوز النبي صلى الله عليه وسلم الى غيره من المسلمين. أننا نرى ان ذلك الامر كان خاصا بالنبي وحده رسول الله المكلف بالدعوة لدين الله ولا يمكن ان يكون امرا الهيا موجها للمسلمين كافة في كل زمان ومكان والدليل على ذلك ان الرسول الكريم يقول ان الله قد امره  هوولم يقل ان الله قد "امر" اوقد "امركم" ولذلك فان الفاتحين المسلمين الاوائل لم يكرهوا أحدا على الدخول في الاسلام بل خيروا الناس بين ذلك وبين دفع الجزية مقابل حماية المسلمين لهم باعتبارهم من اهل الذمة، وذلك تنفيذا لحكم اخر من الأحكام الواردة في القران الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.

ولوكان الامر بقتال الناس بغير هذا الفهم لكان لزاما على الفاتحين العرب ان يقتلوا كل من يأبى الدخول في الاسلام ولكان هذا الدين قد انتهى بوفاة الصحابة وبعض من تبعهم بإحسان ، ولكان لزاما على دول منظمة المؤتمر الإسلامي جميعا اليوم ان يعلنوا الحرب على الولايات المتحدة والاتحاد الروسي والصين واليابان ودول الاتحاد الأوربي وباقي دول العالم التي لا تدين بالدين الإسلامي وهي جميعها دول لا قبل لجميع الدول الإسلامية مجتمعة ان تحارب واحدة منها فقط.!! وهي الدول التي يعتبرها بعض المتطرفين والجهلة ممن يدعون الانتساب للاسلام بانها من الكفار وانها لا تختلف في شيئ عن كفار قريش الذين حاربوا النبي وحاربهم خلال سنوات الهجرة الى المدينة المنورة.بينما كان الرسول وأصحابه يتحملون اذى قريش واهل الطائف طوال سنوات الدعوة الثلاثة عشر في مكة دون ان يردوا على كل الاذى الذي لقوه من قريش وغيرهم من قبائل العرب الا بما امر به الله سبحانه وتعالى من الدعوة الى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة.  وقد كانت كل تلك الغزوات دفاعا عن النفس ولم يكن النبي يقصد من اية غزوة منها اكراه الناس على الدخول في الاسلام. فاني للمسلمين اليوم ان يقاتلوا دول  العالم كله وهي الدول  التي يعتمد عليها المسلمون في استيراد السلاح والغذاء والدواء واللباس وكل أسباب الحياة وكل أسباب الموت ايضا !!. وكيف يستطيعون وهم في هذا الضعف الشديدإشعال حرب عالمية على كل من لا يدخل في الدين الإسلامي!!؟. فعن اي دين يتحدث دعاة القتل والنسف والتفجير باسم الاسلام!؟. من الذين بلغت بهم الصفاقة والجهل والجراة على الحق ان يشبّهوا جرائمهم البشعة بغزوات الرسول عليه الصلاة والسلام. فابتدعوا غزوة نيويورك وغزوة باريس وغيرهما. فمن اية مدرسة تخرج اؤلئك الذين أطلقوا ألسنتهم بالسوء وايديهم بالقنابل والرصاص على المسلمين وغير المسلمين بدعوى ان ذلك ما يأمرهم به دين الله!!؟؟. كبرت كلمة تخرج من أفواههم ان يقولون الا كذبا.  

عندما قررت الكنيسة في العصر الجاهلي الاوربي المسيحي إعدام العالم جاليليولانه قال بدوران الأرض قال كلمته الشهيرة: "رغم ذلك تدور!!". وبالطبع لم يتوقف دوران الأرض بعد موت جاليليو!!. ولكن الكنيسة تأكدت بعد موته انه كان يقول الحقيقة !!. فهل يعود المسلمون المتطرفون المغرر بهم الى رشدهم  ويعلموا ان صحيح الاسلام مخالف تماماً للتصورات الخاطئة لبعض المسلمين.!؟.

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم.

ابراهيم محمد الهنقاري

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
صالح برمضان
لا اعرف لماذا تعصب العرب واصر فقهاء قوم النبي محمد على جعلالاسلام حصرا عليهم وجعل المسلمين هم اتباع النبي محمد عليه الصلاة والسلام. ان الدين عند الله الاسلام ولا يلغي…...
التكملة
عادل الحاسى
تحية اكبار لكم عمى ابراهيم. احسنت و استمر بالله لأجل احقاق الحق و لأجل أن لا نحكم من قبل ميليشيات او من مدن بعينها بينما نحاول ايهام العالم أننا تحررنا…...
التكملة
محمد
أستاذ إبراهيم شكراً لهذا المقال الرائع، وهذا ليس بجديد عن علمك الموسوعي الغزير. أستاذ إبراهيم أنا من بين الكثير من المواظبين على قرأة مقالاتك الرائعة، التي أقرأها في معظم الأحوال…...
التكملة
ليبي ليبي
الحقيقة ان المشكلة لاتكمن في الاسلام كدين وتعريفه ، فجميع الرسالات إلهية بنيت على خمس ( التوحيد والإيمان بالرسول المرسل ، الصلاة ، الزكاة ، الصوم ، والحج ). وبالتالي…...
التكملة
Libyan
To Hagiga Kamila, alfitna in that particular quote refers to Alkofr wa Eliadu bi Allah, other wise, it'll be your daily tests which determines one's strength Iman...
التكملة
الحقيقة كلمة
هل تأثير الغرب وعلمانييهم من المسلمين والضغط على بلاد الاسلام بقبول مبادئهم المستندة على إلغاء النص الغيبي وقبول الحرية الشخصية المطلقة لا تراه اشد من القتل ، القران يقول :(…...
التكملة
حفيد عقبة بن نافع
عمي إبراهيم ،مساك الله بالخير مقال ممتع كالعادة انسانا قليلاً في إنقطاع الكهربا، مدة 15 ساعة وحرارة اليوم فوق ال-40 درجة مئوية ، الله إمتعك بالصحة والعافية ....
التكملة
هشام
احسنت الكتابة والشرح كعادتك...
التكملة