المهدى يوسف كاجيجي: قلب طفل 16/6/2016 14:23 المهدى يوسف كاجيجي: قلب طفل
المهدي يوسف كاجيجي بحث

كانت بداية تعارفنا فى أواخر الخمسينات من القرن الماضى، فى مدينة سبها عاصمة ولاية فزان وقتها. توطدت علاقتنا بشكل خاص بعد حادث طريف ظل سرا بيننا الى يومنا هذا، وساسمح لنفسي باذاعته الان.

الصحفى والقاص عبدالسلام الصادق ابورقيبة

كان يعمل مدرسا.. ويقيم بحجرة فى استراحة مخصصة لإقامة أعضاء المجلس التشريعى للولاية. ذهبت لزيارته بمناسبة انتهاء العام الدراسى وسفره لقضاء العطلة الصيفية مع أسرته المقيمة فى طرابلس. فى الحمام الخاص بالاستراحة علقت مرآة صغيرة متواضعة، وسوس لي الشيطان بسرقتها، فوسوست له، فاتفقنا بعد حوار طويل وشجعنا خلو الاستراحة من النزلاء نتيجة العطلة الصيفية للمجلس. غلفنا جسم الجريمة بجرائد قديمة وتمّ نقلها الى منزلنا المجاور. فى الصباح، انتشر الخبر عن اختفاء مرآة من حمام استراحة المجلس التشريعى، فأعلن مدير المباحث حالة الطوارئ، وتسربت بعض التحقيقات مع شهود عيان، أكدوا تواجد المدرس الساكن وصديقه ابن شيخ جامع الولاية فى المكان قبل اختفاء المراة. كان علينا ان نتحرك بسرعة لإخفاء جسم الجريمة. وصلنا بعد مشاورات  طويلة ودراسة كل الاحتمالات الى قرار تكسيرها الى قطع صغيرة، وإخفائها فى بئر الماء المجاور لبيتنا. فى الصباح وعند شروق الشمس، اصدر البئر انعكاسات ضوئية للقطع المكسورة، افزعتنا فقمنا بإهالة كمية من الرمال تكفى لردم البئر وظلت المشكلة تؤرقنا لفترة طويلة.

حملنا السر معا، وعشنا هاجس احتمال القبض علينا لفترة طويلة، مما أعطى علاقتنا نوعا من الحميمية. إنّ من القواعد الفريدة لعائلة سيدى الحاج الصادق ابورقيبة، انك عندما ترتبط بصداقة لاي فرد منها، تعنى انك صديق للجميع، لذا ستشرع  لك الأبواب، لتكون عضوا وزائرا دائماً لبيتهم العامر فى زنقة الخروبة بمنطقة شارع الزاوية بمدينة طرابلس. وللعلم كان أبناء الحاج الصادق "ما شاء الله" اكثر من مجموع أصابع اليدين معا.

أخذت الايام دورتها، وتحولت هوياتنا المتشابهة فى القرأة والكتابة الى الاحتراف، سلك هو طريق الصحافة وكتابة القصة القصيرة ولكن من خلال العمل الحكومى، وكان قدرى الاعلام الخاص. كنا نلتقى بلا موعد فى دار بورقيبة فى زنقة الخروبة، وكان كل منا يتابع الاخر عبر ما ينشر على صفحات الجرائد. كان مقلا فى كتابته القصة القصيرة، ولكنه كان متمكنا من أدواته، فجاءت قصصه تصويرا نادرا للموروث الشعبى. اذكر له قصة "العرصة طاحت" والعنوان أخذ من الحوار على لسان ارملة ملكومة فقدت زوجها وتصف حالتها بعد رحيله بانهيار العمود الأساسى المقام عليه البناء "العرصة".

باعدت بيننا الايام وجرت مياه كثيرة فيما تحت الجسور، سنوات طويلة مضت لم نلتق فيها. اغلقت الجرائد الخاصة وهاجرت بحثا عن لقمة العيش، وسافر هو بعيدا الى أمريكا اللاتينية ملحقا اعلاميا، فاجتاحت رياح التغيير كل شئ، اتسعت مدينة طرابلس، زحف العمران على المساحات الخضراء، انتصبت الأعمدة الخرسانية فى شكل بيوت سكنية معظمها عشوائى التخطيط، لم تعد المدينة تلك المدينة التى عرفناها والشئ الوحيد الذى لم يتغير بالنسبة لي وعرفت طريقى اليه بيسر وسهولة هو بيت عمنا سيدى الصادق ابورقيبة فى زنقة الخروبة وساكنه الذى رفض كل العروض المغرية بالرحيل وظل متمسكا به وهو عبدالسلام ابورقيبة.

بمناسبة انعقاد معرض القاهرة الدولى للكتاب التقينا، فطلب منى عنوان "محمد زيدان".. صديق مصرى مشترك، فى الحى الشعبى "ميت عقبة" وفى مقهى بلدى كان اللقاء، تبادلا الشتائم خفيفة الظل، قال له محمد زيدان: غريبة يا عبدالسلام بعد كل هذه السنوات لم تكبر.. "لسه قاعد عيل".. تعبير لفت نظرى لحقيقة لم أدركها، عن احساس غريب اننى كلما التقيت مع عبدالسلام ابورقيبة اشعر ان الزمن قد توقف، نعم.. لقد زحف الشيب على الرأس، ونالت التجاعيد من الوجه، ولكن ضحكته الجهورية وتعليقاته اللاذعة وذاكرته دقيقة الاسترجاع،. ظلت كما هى، وقلب الطفل لديه لم تستطع الشيخوخة ان تنال منه.

فى صبانا كنا نعجب معا بالشاعر احمد عبدالمعطى حجازى، ديوانه "مدينة بلا قلب"  قرأناه وحفظناه معا، وعندما وصلنى خبر رحيل  عبدالسلام الصادق ابورقيبة تذكرت أبيات شعر من الديوان تقول:

يا ويله من لم يحب
كل الزمان حول قلبه شتاء
لكن دربنا طويل
وربما جزناه.. أشهرا وأشهرا معا
لكننا يوما سنرفع الشراع
كل الى سبيل
فطهروا بالحب ساعة الوداع.

وبكل الحب الذى سكن قلبك الطفل دائماً.. وداعا عبدالسلام الصادق ابورقيبة.

المهدى يوسف كاجيجي

* سبق النشر على صفحات جريدة العرب وأعيده بمناسبة الذكرى الثامنة لرحيل الصحفى والقاص عبدالسلام الصادق ابورقيبة.

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
صديق
شكرا استاذ المهدي .. كتاباتك جميلة وخفيفة الظل دائما . رحم الله صديق الطفولة وابن شارع الزاوية عبد السلام أبورقيبة ....
التكملة
عبدالاله ادريس
اللهم اغفر له وارحمه....
التكملة
Ali sadek
ان ما تخطه استاذ مهدي من خواطر وذكريات عن الوطن والأصدقاء في فترة الزمن الجميل لدليل على عشق الوطن ووفاء للأصدقاء, لك مني كل التحايا ومحبة عائلة ابورقيبة....
التكملة
مفتاح سكران
من شيم الرجال الوفاء وانت احد البقية الباقية منهم ..رحم الله صديقك...
التكملة