عزة كامل المقهور: رسالة إلى محارب 22/6/2016 18:48 عزة كامل المقهور: رسالة إلى محارب
عزة كامل المقهور بحث

اسمح لي يا حمزة بأن اخاطبك بإسمك.. ولا أدري إن كان عمي مصطفى التريكي الصياد العتيد في طرابلس وصديق الوالد قريب لك.. فإن كان، فإنه كان مقربا من والدي رحمه الله ممارسا معه لهواية الصيد ومجالسا ومتسامرا معه على جدار جامع سيدي عبد الوهاب بطرابلس.

وأسمح لي ياحمزة وأنا أناديك بإسمك، أن أشاركك مصابك وما لحق بك من أذى في هذه الحرب الضروس التي لا تحتملها ليبيا ولا أهلها.. حرب ما كانت لها جذور فينا و لا في بلادنا.. لكن ضعفنا وتناحرنا وخذلان بعضنا أعطاهم الأرض وكادوا أن ينتزعوا العرض. لا أدري إن كان الشباب في هذه الحرب على قدر من التدريب، ولا أعلم فيما إذا كانت لديكم معدات حديثة وكافية.. أم أنكم تُركتم لشجاعتكم وبنادقكم.. لحرارة أفئدتكم و تدبيركم.. الكثير غير معلوم والقليل فقط ما نسمع.

علمت بقصتك من شقيقتي الصغرى في مكالمة هاتفية هذا الصباح، وأنك فقدت إحدى ساقيك في هذه الحرب اللعينة.. وأنك ماتزال في المشفى تتألم، ولم يمنعك هذا من الكتابة في صفحتك بالأمس "صحة فطوركم"... تصفحت صفحتك ووجدت صورتك منذ أيام "تقف" على ساقيك في صحراء سرت أمام المحطة البخارية رفقة صديقين محاربين، يحذوكم الأمل وبشائر النصر في التقدم والحسم... لكنها الحرب يا أخي.. إنها الحرب "كر وفر" إنها المأساة، وهل هناك ماهو أشد منها بؤسا ومرارة وألماً.. إنها القِدر الكبير الذي تطبخ فيه السياسة على وقود من جثث الشباب.. ليصبح القتلى عددا.. رقما... ملفا.. ومعاشا ضمانيا.. وسترة أو حذاء ملطخاً بالدماء.

أخي حمزة.. رأيتك في تلك الصورة تتوسط صديقيك أمام المحطة البخارية/ سرت، ترتديان بنطالا من "الجينز" بدون خوذة ولا واق صدري للحماية..ولا أعلم إن كنتم تضعون نعالا عسكرية، استعدادا للحرب.. الحرب يا حمزة بقدر ما تحتاج للشجاعة والإقدام، فإنها تحتاج للعتاد والعدة.. العدو شرس، والقفار واسع، والبلاد لم تعد البلاد، والحرب خدعة.

الإقدام على الحرب بحاجة لإدارة سياسية، وإعلامية، وتنسيق، وتأهيل، ومشافي، واسعافات، وتموين، وسيارات إسعاف، ومستشفيات ميدانية.. والحرب على الإرهاب هي حرب العالم بأسره، يلتزم فيها بالمشاركة والدعم اللامحدود ليس على  أساس أخلاقي فحسب، بل لتهديدها للعالم بأسره وللمصالح المشتركة.

فهل تحقق هذا في الحرب ضد داعش؟ أم كعادتنا، وفهمنا المحدود للحرب في أنها روح الشباب وحماسهم المتقد وأجسادهم المحترقة؟

ماذا نقول لأمهاتكم... سفر طويل بكم منذ التكوين، وطلق الإنجاب، وألم الولادة، والرضاعة، وشقاء المرض والحرارة، وتعب التربية، وهموم التفكير ومجافاة النوم.. والإمتحانات، وبرد الشتاء، وحرارة الصيف... وهواجس القلق، ومائدة رمضان لكل ما تحبون وتشتهون.. ماذا نقول لهن؟

حرب ضروس بلا حكومة راسخة، سياسات فاشلة، فساد ينخر ما تبقى من سيقان لهذه الأرض، نقص في الأنفس والمأكل والمال.. ظلام يلف المدن، التقتيل والخطف والتعذيب، إنكار للعدالة بل وجحودها، وتنكر لماض جمعنا على "البسباسي"، وهدم لمستقبل آت.

حمزة، وأسمح لي أن اناديك بإسمك... صورة ثقيلة تلك التي رأيتك فيها ممددا على سيارة "نصف نقل" وأنت تنزف، وساقك ملقاة إلى جوارك... أهكذا تكون الحرب ضد الإرهاب؟ ألا لعن الله العالم الذي يصفق لتوقيع الأوراق ولا يساهم حتى بخيول تجر عربات مجهزة لنقل جرحى الحرب، ألا بؤسا لسياسيين من جلدتنا يتفاخرون بعدد الموتى من شبابنا ليغنموا مكاسب سياسية، ألا بئس التخاذل في التلاحم لخوض حرب دولية، وطوبي لكم يا حمزة، ولعائلة تتحلق حول مائدة الإفطار في غياب أولادها، ولأم تصوم وتتضرع إلى الله في عودتكم تمشون وتبتسمون وتتندرون وترون مستقبلا وارفا.. فتعودون اليها في أكفان.

سلام عليك.. وبعيد السو عليك يا حمزة!

عزة كامل المقهور
22 مايو 2016

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
صالح العاقل
خدعوك يا حمزة حينما قالوا لك الدروع أفضل من الجيش مالياً فهم يتقاضون ألف دينار، والجندي في الجيش ربما لا يتجاوز راتبه ستمائة دينار، وزادوا في خداعهم حينما قالوا لك…...
التكملة
ام غسان
تحدثت بقلب ام تعرف معنى ان يُجرَح او يصاب فلذة كبدها بأذى او تُسال من جسده نقطةِ دمٍ واحدة وكتبت بمشاعر ليبية صادقة بلا تحيز او تخندق وراء هذا او…...
التكملة
عبدالحق عبدالجبار
الاستاذة عزة المقهور المحترمة تتحدث عبر حمزة لكل شباب ليبيا في عربها وشرقها وجنوبها انها تتحدث عن كل الأمهات الليبيات... نطلب الشفاء لحمزة وكل الليبيين والليبيات ونشكر عزة تفسير وشرح…...
التكملة
فاطمة الحسين
أيتها النفس اللئيمة أينما أرسيت قواربك تطمعين في بحر أوسع وكلما خطوت خطوة بطيئة دائماً تودين الفوز بالسباق
...
التكملة
Libyee
With the great respect to this fine Tropilian Lady and her restricted vision & good essays! However, all ‎of her writings were drew, painted, and nicely colored but vividly only…...
التكملة
علي الخرباش
كل الشكر لك يا أخت عزة عن هذه الكلمات التي تعبر بصدق عن الام المواطنين والمواطنات البسطاء في ربوع بلادنا الحبيبة الذي كانوا يحلمون بالحرية ورغد العيش والهناء والأستقرار ولكن…...
التكملة
صلاح بشير المرغني- المحامي
حبر وصدق والم وإصطفاف مع الحق وجودا وعدماً. من الصعب على من على من يعتقد أن الحق شخص أن يستوعب نبالة الوقوف مع الوطن والحق مجردا عمن سواه وجود وعدما.…...
التكملة
فوزا
لا حرمنا الله من قلم يغوص في عمق آلامنا ، يطير في سماء احلامنا ، وبرشاقته الأدبية المعهودة ينتقل بين الالم والامل بكل ثقة وسلاسة وتماسك .. دمتي ودام قلمك...
التكملة
د. فوزية بريون
لقد لمستِ في هذه الرسالة المُحكمة البناء، المتتابعة الصور، المزدحمة بالإيحاءات، ما لا يمكن أن يلمسه مقال تحليلي مفصٓل، أو دراسة ميدانية تكتظ بالمصطلحات والمقدمات والنتائج. الرسالة الذكية المركزة هي…...
التكملة
خالد ابراهيم
من الأمانة الأدبية ان توضح الكاتبة موقعها من هذا الصراع. حسب فهمي من كتباتها السابقة انها من مؤيدي الأطراف المناهضة للفريق الذي يحارب داعش حاليا في سرت. اذا كان هذا…...
التكملة
جلال البرغوتى
شكرا على مشاعرك الوطنية يااستاذة نعم صدقتىىفى كل كلمة ننطقتى بها هذه هى الحقيقة وربى يشفى الجميع...
التكملة
سعيد الخالقي
شكرا للفتة الكريمة منك ياأخت عزة للاخ حمزة كنت اتمني ان لايدخل اخواننا في هده الحرب مع تنظيم الدولة الاسلامية لانني ادرك جيدا وعلي يقين ان الامر ليس سهلا بل…...
التكملة
طه الليبي
بعيد السو عليك يا حمزة...اه..... شكرا يا استاذة عزة...
التكملة